الإدارة والقيادة · 12 يونيو 2026 · 8 دقائق قراءة

لماذا يفشل 60% من المدراء الجدد خلال عامين؟ (وكيف لا تكون منهم)

تخيّل أنك تقود سيارتك ليلاً على طريق سريع، والمصابيح الأمامية مطفأة. المحرك ممتاز، الوقود ممتلئ، ويداك ثابتتان على المقود. لكنك لا ترى شيئاً مما أمامك: لا المنعطف القادم، ولا الحفرة في منتصف الطريق، ولا السيارة التي توقفت فجأة على بعد أمتار. السؤال هنا ليس هل ستصطدم، بل متى.

هكذا يدير كثير من المدراء فرقهم كل يوم. يملكون الخبرة التقنية، والشهادات، والاجتهاد — لكنهم يقودون في الظلام، عميان عمّا يحدث فعلاً داخل عقول وقلوب الأشخاص الذين يعملون معهم. وأرقام الاصطدام موثّقة: وفق أبحاث CEB (غارتنر حالياً)، 60% من المدراء الجدد يفشلون خلال أول 24 شهراً من توليهم المنصب.

ستون بالمئة. أي أن من كل عشرة مدراء جدد ترقّوا هذا العام، ستة منهم سيتعثرون قبل أن يكملوا عامهم الثاني. وإذا كنت قد تسلّمت منصباً إدارياً مؤخراً — أو تطمح إليه — فهذه الإحصائية تتحدث عنك أنت، لا عن شخص آخر.

الفشل ليس لنقص الذكاء

أول ما يخطر ببالك ربما: «هؤلاء فشلوا لأنهم لم يكونوا مؤهلين». الحقيقة عكس ذلك تماماً. معظم من يُرقّى إلى الإدارة يُرقّى لأنه كان متفوقاً: أفضل مهندس في الفريق، أمهر محاسب، أقوى مندوب مبيعات. الذكاء موجود، والخبرة التقنية موجودة، والاجتهاد لا يُنكر.

المشكلة في مكان آخر: هؤلاء المدراء يديرون فرقهم وهم عميان عن الدوافع الحقيقية التي تحرّك موظفيهم، والمخاوف الخفية التي تشلّهم، والديناميكيات الصامتة التي تصنع نجاح الفريق أو انهياره. لقد أتقنوا قيادة السيارة، لكن أحداً لم يعلّمهم تشغيل المصابيح.

وهنا تكمن الخدعة القاسية في الترقية: المهارات التي أوصلتك إلى الإدارة ليست هي المهارات التي ستبقيك فيها. كنت تُقاس بما تنجزه بيديك، وأصبحت تُقاس بما ينجزه الآخرون بأيديهم. كنت تحل مشكلات تقنية لها إجابة صحيحة واحدة، وأصبحت تواجه مشكلات بشرية لكل واحدة منها عشرون وجهاً وعشرون تفسيراً. ومع ذلك، تستمر معظم المؤسسات في ترقية الناس على أساس الأمس، ثم تتركهم يكتشفون الغد وحدهم — في الظلام.

ولماذا يهم هذا إلى هذه الدرجة؟ لأن مؤسسة غالوب وجدت أن 70% من التباين في تفاعل الفريق والتزامه يعود مباشرة إلى المدير. ليس إلى الرواتب، ولا إلى المكاتب الفاخرة، ولا إلى سياسات الشركة — بل إليك أنت. أنت لست مجرد جزء من المعادلة؛ أنت المتغير الأكبر فيها.

من هو «المدير الأعمى»؟

المدير الأعمى ليس أعمى البصر، بل فاقد البصيرة. عيناه تعملان بكفاءة تامة: يرى المكاتب والأجهزة والتقارير وجداول البيانات ومؤشرات الأداء. لكنه أعمى تماماً عن الطبقة الأهم في أي منظمة: الديناميكيات البشرية.

إنه يدير بالأرقام والمنطق فقط، ويعتقد أن هذا هو «الاحتراف». فإذا انخفض الأداء، ضاعف الاجتماعات. وإذا تأخر المشروع، شدّد المتابعة. وإذا استقال موظف، استبدله. إنه يعالج الأعراض بمهارة جرّاح، لكنه لا يرى المرض أبداً — لأن المرض يقع في منطقة لا تظهر في أي تقرير.

«الناس لا يرون العالم كما هو، بل يرونه كما هم.»

كل موظف في فريقك يعيش في عالم مختلف قليلاً: عالم تشكّله تجاربه وقيمه ومخاوفه وطموحاته. المدير الأعمى يفترض أن الجميع يرون ما يراه هو، ويريدون ما يريده هو، ويخافون مما يخاف منه هو. ثم يتفاجأ عندما تنهار الافتراضات واحدة تلو الأخرى.

أعراض العمى الإداري: هل تعرف هذه المواقف؟

إليك اختباراً سريعاً. هل مررت بأحد هذين الموقفين؟

الموقف الأول: موظف ممتاز، «سعيد» بحسب كل المؤشرات الظاهرة، يضع استقالته على مكتبك صباحاً. تشعر بالصدمة: «لكنه لم يشتكِ قط!». الحقيقة أنه كان يشتكي منذ شهور — بصمته في الاجتماعات، بتراجع حماسه التدريجي، بإجاباته المقتضبة. كل الإشارات كانت أمامك، لكن مصابيحك كانت مطفأة.

الموقف الثاني: مشروع ينهار في اللحظة الأخيرة، ثم تكتشف أن نصف الفريق كان يعرف أنه سينهار منذ أسابيع. لماذا لم يقل أحد شيئاً؟ لأن أحداً لم يجرؤ على قول الحقيقة. لقد بنيتَ — دون أن تقصد — بيئة يكون فيها الصمت أكثر أماناً من الصراحة.

هذان ليسا سوء حظ. هذان عَرَضان كلاسيكيان للعمى الإداري: مفاجآت متكررة في أمور كان يمكن رؤيتها قبل أشهر، لو كان لديك بصيرة تخترق السطح.

ولاحظ التشابه مع قيادة السيارة في الظلام: المدير الأعمى لا يكتشف الحفرة إلا حين تهتز السيارة، ولا يكتشف المنعطف إلا حين يخرج عن الطريق. كل قراراته ردود أفعال متأخرة على اصطدامات حدثت بالفعل. أما المدير المبصر فيرى الطريق قبل أن يصل إليه، فتتحول إدارته من إطفاء الحرائق إلى منعها أصلاً.

المشاعر ليست «أموراً ناعمة» — إنها بيانات

هنا تظهر الثنائية التي يقوم عليها الكتاب كله:

«المدير الأعمى يتجاهل المشاعر باعتبارها أموراً ناعمة أو غير احترافية. المدير المبصر يدرك أن المشاعر هي بيانات.»

فكّر في الأمر بمنطقك التحليلي نفسه الذي أوصلك إلى منصبك: إذا كانت الأبحاث تشير إلى أن الذكاء العاطفي مسؤول عن 58% من الأداء المهني، وأن 90% من أصحاب الأداء العالي يمتلكون ذكاءً عاطفياً مرتفعاً — فإن تجاهل المشاعر ليس «احترافية»، بل إهمال متعمد لأهم مجموعة بيانات في شركتك.

المدير الأعمى يسأل: «لماذا تأخر التسليم؟». المدير المبصر يسأل السؤال نفسه، ثم يضيف: «ولماذا بدا صوت المهندس مرتبكاً وهو يجيب؟». الأول يجمع نصف البيانات ويتخذ قراراً كاملاً. الثاني يقرأ الطبقتين معاً: الأرقام والبشر.

القلق في صوت موظف قبل إطلاق المنتج قد يكون إنذاراً مبكراً لخلل تقني لم يجرؤ أحد على توثيقه في تقرير. الحماس المفاجئ في اجتماع ممل قد يدلك على فكرة تستحق ميزانية. الصمت الجماعي حين تطرح خطتك الجديدة ليس موافقة — إنه بيانات تصرخ بأن هناك ما لا يُقال. من يقرأ هذه الإشارات يملك ميزة تنافسية لا تظهر في أي لوحة مؤشرات.

جبل الجليد: 90% مما يحرّك فريقك لا تراه

تصوّر كل موظف في فريقك جبل جليد يطفو في المحيط. ما يظهر فوق سطح الماء — السلوك، الكلام، الأداء اليومي — لا يتجاوز 10% من الحقيقة. أما الـ90% الباقية فتقبع تحت السطح: المهارات غير المستغلة، والقيم التي لا يساوم عليها، والمخاوف التي لا يبوح بها، والهوية التي يحميها بكل قوته.

المدير الأعمى يصطدم بجبل الجليد لأنه لا يتعامل إلا مع القمة الظاهرة. يرى موظفاً «معترضاً على كل شيء» ولا يرى تحت السطح خوفاً من تكرار تجربة فشل سابقة. يرى موظفة «غير متحمسة» ولا يرى أنها تجيد أعمالاً لم يكلّفها بها أحد قط. يرى «مشكلة أداء» ولا يرى أباً يقضي لياليه في المستشفى مع طفل مريض، أو موظفاً يبحث عن وظيفة أخرى منذ ثلاثة أشهر لأن جهده الأخير مرّ دون كلمة شكر واحدة.

«لا يمكنك إدارة ما لا تراه.»

هذه الجملة هي جوهر المسألة كلها. كل أدوات الإدارة التي تعرفها — التخطيط، التحفيز، التفويض، التقييم — تعمل فقط على ما تراه. فإذا كنت ترى 10% من فريقك، فأنت تدير 10% من فريقك. والـ90% الباقية تدير نفسها بنفسها... أو تتآكل في صمت.

من المدير الأعمى إلى القائد المبصر: ماذا يتغير؟

البصيرة الإدارية ليست موهبة تولد بها، بل مهارة تُبنى. وعندما تبدأ في بنائها، تتغير معادلات أساسية في طريقة عملك:

المدير الأعمى يقيس نجاحه بمدى حاجة الفريق إليه — يفرح حين تتوقف الأمور في غيابه. المدير المبصر يقيس نجاحه بالعكس تماماً: بقدرة فريقه على التألق وهو غائب.

«إذا انهارت الشركة بعد استقالتك، فأنت لم تكن قائداً عظيماً، كنت مجرد مدير فعال ومغرور.»

المدير الأعمى يريد أن يكون أذكى شخص في الغرفة، فيحتكر القرارات ويحوّل فريقه إلى منفّذين صامتين. المدير المبصر يفهم أن «مهمتك ليست أن تكون أذكى شخص في الغرفة، بل أن تجعل الغرفة بأكملها أذكى بوجودك».

المدير الأعمى يتعامل مع موظفيه كآلات إنتاج: مدخلات تعليمات، مخرجات نتائج. المدير المبصر يتعامل معهم كبستاني مع نباتاته. البستاني لا يستطيع أن «يجبر» النبتة على النمو مهما صرخ في وجهها — لكنه يستطيع أن يهيئ التربة، ويضبط الضوء، ويوفر الماء، ثم يثق بأن النمو سيحدث. القيادة الحقيقية ليست صناعة النمو، بل صناعة ظروف النمو.

خريطة الطريق: ماذا ستجد في الكتاب؟

هذا المقال يفتح الباب فقط. كتاب «المدير الأعمى: الدليل المفقود لفك شفرات السلوك البشري وإطلاق طاقات الموظفين» يأخذك في رحلة كاملة عبر 23 فصلاً موزعة على ستة أجزاء:

تبدأ الرحلة بـفك شفرة العقل البشري — كيف يفكر موظفوك فعلاً وما الذي يحركهم تحت السطح. ثم فن التواصل والتأثير — كيف تقول ما يجب قوله بطريقة تُسمع. ثم جوهر القيادة وبناء الفرق — كيف تتحول من مدير مهام إلى صانع بيئة يزدهر فيها الناس. ثم التفكير الاستراتيجي، وأخيراً الفرق المستقبلية والذكاء الاصطناعي — لأن مدير الغد سيقود بشراً وخوارزميات معاً، وسيحتاج بصيرة مضاعفة لا نصف بصيرة.

كل فصل مبني على المبدأ نفسه: لا نظريات أكاديمية معلّقة في الهواء، بل أدوات عملية تستخدمها في اجتماع الغد صباحاً.

تمرين عملي: الأسئلة اليومية الخمسة

لا تغلق هذه الصفحة قبل أن تأخذ معك شيئاً ملموساً. هذا تمرين من ملحق الكتاب، بسيط لدرجة أنك قد تستهين به — وفعّال لدرجة أنه قد يكون الفرق بينك وبين الـ60%.

قبل أن تفتح بريدك الإلكتروني كل صباح، اسأل نفسك خمسة أسئلة، واكتب إجاباتها ولو بكلمة واحدة:

  1. من في فريقي يحتاج تقديراً اليوم؟ — وهل قدّمته له، أم افترضت أنه «يعرف» أنك راضٍ عنه؟
  2. من يعاني بصمت؟ — من تغيّر سلوكه مؤخراً ولم تسأله عن السبب بعد؟
  3. ما المحادثة الصعبة التي أؤجلها؟ — وكم يكلفني كل يوم تأجيل إضافي؟
  4. هل أهداف فريقي واضحة فعلاً؟ — أم واضحة في رأسي أنا فقط؟
  5. ماذا أستطيع أن أفوّضه اليوم؟ — وما الذي أتمسك به لأنه يشعرني بالأهمية لا لأنه يحتاجني فعلاً؟

خمس دقائق يومياً. هذا كل ما يفصل بين مدير يقود في الظلام ومدير بدأ — أخيراً — يشغّل مصابيحه الأمامية.

والآن سؤال أخير للتأمل: لو سُئل فريقك اليوم، بسرّية تامة، «هل مديرك يراك فعلاً؟» — ماذا سيجيبون عنك؟

إذا لم تكن متأكداً من الإجابة، فهذه أول إشارة على أن الرحلة يجب أن تبدأ. والخطوة التالية بانتظارك في الكتاب.

محمود فصفوص

محمود فصفوص

مدير تنفيذي للتقنية والعمليات — ذكاء اصطناعي، أمن سيبراني، وإدارة مشاريع. مؤلف كتاب "المدير الأعمى".

استمع لكتاب "المدير الأعمى" كاملاً

الدليل المفقود لفك شفرات السلوك البشري وإطلاق طاقات الموظفين — متوفر ككتاب صوتي على منصتك المفضلة.