محمود شعبان فسفوس
English

الذكاء الاصطناعي7 دقائق قراءة

لماذا يوافقني شات جي بي تي دائمًا؟ فخ المجاملة الرقمية

لماذا يمدحك شات جي بي تي ويوافقك؟ ما تقوله أبحاث التملق، وكيف يتحالف مع المحامي الذي في رأسك، وأوامر جاهزة بالعربية لتحصل على رأي صادق.

الخلاصة

  • التملق سلوك موثّق في النماذج، ينشأ جزئيًا لأن البشر يفضّلون الردود التي توافقهم.
  • في أبريل 2025 تراجعت OpenAI عن تحديث لـGPT-4o لأنه مال إلى ردود داعمة وغير صادقة بسبب التغذية قصيرة المدى.
  • النماذج تؤيّد أفعال المستخدمين أكثر من البشر بنحو 49% في دراسة نُشرت في Science، ومن يتلقون التأييد أقل ميلًا إلى الاعتذار.
  • المحامي الذي في رأسك يجد في الأداة المجاملة مساعدًا لا يتعب، فاسألها السؤال المعكوس واطلب منها أن تحاججك.
  • قبل أن تصدّق الرد، اطلب ثلاث وقائع: معلومة قابلة للتحقق، ما يعارضك، ورأي خبير.

تعرض على شات جي بي تي فكرة مشروع، فيقول إنها «رائعة وذكية». تكتب له قصة خلافك مع زميلك، فيقرّ بأنك على حق. تعيد الصياغة بعد ساعة وتسأل السؤال بالمقلوب، فيوافقك أيضًا. وفي لحظة ما تتساءل: هل أنا بهذا الذكاء فعلًا، أم أن هذه الأداة لا تعرف أن تقول «لا»؟

الشعور في محلّه. ما تلاحظه ظاهرة معروفة في أبحاث الذكاء الاصطناعي اسمها «التملق» (sycophancy). والمعلومات هنا محدّثة حتى أكتوبر 2026، ولكل رقم أو واقعة مصدر مذكور في آخر المقال.

مديح لا ينتهي: متى يصبح لطف الأداة مشكلة؟

اللطف ليس عيبًا. المشكلة تبدأ حين يتحول إلى موافقة تلقائية، فلا تعود تفرّق بين رأي مدروس ومجاملة جاهزة.

جرّب هذا الاختبار البسيط. اكتب فكرة ضعيفة عمدًا، ثم اسأل: «ما رأيك؟». إن وصفها بالمبتكرة فقد عرفت الجواب. أداة تمدح كل شيء لا قيمة لمديحها، كما لا قيمة لزميل يصفّق لكل اقتراح في الاجتماع.

والأخطر أن المجاملة لا تبدو مجاملة. تأتيك بلغة واثقة ومنظّمة وفيها نقاط مرقّمة، فتأخذها على أنها تحليل. وكلما كان الرد أنيقًا، قلّ شكّك فيه.

من أين جاءت المجاملة؟ كيف يتعلّم النموذج إرضاءك

لا أحد يبرمج الأداة لتقول «أنت عبقري». السبب أعمق وأبسط: النماذج تُحسَّن بعد تدريبها الأول بتقييمات بشر، فتتعلم ما يعجبهم وتكرّره.

هذا ما فحصه باحثون في Anthropic في ورقة نُشرت على arXiv في أكتوبر 2023 بعنوان «Towards Understanding Sycophancy in Language Models». وجدوا أن خمسة مساعدين ذكيين من الطراز المتقدم أظهروا سلوك التملق في أربع مهام كتابة حرّة. ووجدوا في بيانات التفضيل البشرية أن الردود التي توافق آراء المستخدم أكثر عرضة لأن تُفضَّل. بل إن البشر ونماذج التفضيل أحيانًا يختارون ردًّا مقنعًا ومجاملًا على ردّ صحيح. وخلص الباحثون إلى أن التملق «سلوك عام» في المساعدين الحاليين، وأنه ينشأ جزئيًا من أحكام التفضيل البشرية.

بعبارة أبسط: نحن نعطي نقاطًا أعلى لمن يوافقنا، فيتعلم النموذج أن الموافقة تجلب النقاط.

حين ظهرت المشكلة أمام الجميع

في أواخر أبريل 2025 رأى الجميع ذلك بالعين. طرحت OpenAI تحديثًا لنموذج GPT-4o في شات جي بي تي، وخلال أيام امتلأت مواقع التواصل بلقطات يمدح فيها النموذج قرارات خطيرة وأفكارًا سيئة. أقرّ سام ألتمان علنًا بالمشكلة، ثم تراجعت الشركة عن التحديث. وفي بيانها بتاريخ 29 أبريل 2025 قالت إن التحديث تأثر أكثر من اللازم بـ«التغذية الراجعة قصيرة المدى»، وإنه مال إلى ردود داعمة بشكل مبالغ فيه وغير صادقة. وذكرت تقارير صحفية أن إشارات الإعجاب وعدم الإعجاب (thumbs-up وthumbs-down) كانت جزءًا من هذه التغذية، وأن الشركة وعدت بتحسين التدريب والتقييم.

الدرس هنا ليس أن شركة بعينها أخطأت. الدرس أن ما يُكافأ في اللحظة، كالإعجاب والرضا السريع، قد يختلف عمّا يفيدك على المدى الطويل.

المحامي الذي يسكن رأسك… وقد وجد مساعدًا لا يتعب

في كتاب «استقالة من نفسك» فصل كامل عن «المحامي الذي يسكن رأسك». فكرته أن عقلك يعدّ لك العذر قبل أن تطلبه. تقرر ألا تذاكر الليلة، فيحضر الدفاع خلال ثانيتين: الجو حار، والأسبوع ثقيل، وغدًا وقت كافٍ. وهو لا يغيّر ما فعلته، بل يغيّر السبب الذي تحكيه لنفسك عنه.

ويشرح الكتاب أن الفعل المخالف لصورتك عن نفسك يولّد توترًا داخليًا يسمّيه علماء النفس «التنافر المعرفي»، وأن أسرع طريقة لتخفيفه غالبًا أن تعدّل التفسير لا الفعل. وفي العادة يبحث العقل عن الدليل الذي يريحه ويتساهل معه، ويتشدد مع الدليل الذي يزعجه.

الآن اجمع الصورتين. لديك محامٍ داخلي يبني قضيتك، وأداة تحسّنت بفضل رضا المستخدمين فمالت إلى تأييد ما تقوله. حين تعرض عليها قضيتك بصيغة «أنا محق، أليس كذلك؟» فإنك لا تستشير طرفًا ثالثًا. أنت تضيف إلى محاميك مساعدًا ينسّق الحجج، ويصوغها بأسلوب أنيق، ولا ينام.

وهذا ما جعل المسألة تهمّني أكثر من مجرد خلل تقني. الخطر ليس أن الأداة تكذب عليك. الخطر أن تصدّق ما كنت تريد تصديقه أصلًا، ثم تحس أن «الذكاء الاصطناعي» أيّد رأيك، فيصير رأيك أصلب مما كان.

حين تكلّف المجاملة غاليًا: قرارات العمل والمال والعلاقات

في الأسئلة التافهة لا يضرّ شيء. لكن تأمل القرارات التي يلجأ الناس فيها إلى هذه الأدوات: خطة عمل، استقالة، رسالة عتاب، خلاف مع شريك أو قريب.

بحثت دراسة بعنوان «ELEPHANT» (Cheng وزملاؤها، منشورة على arXiv في 2025) في ما سمّته «التملق الاجتماعي»: أن تحفظ الأداة ماء وجه المستخدم وصورته عن نفسه. اختبر الباحثون 11 نموذجًا، ووجدوا أنها تحفظ ماء الوجه أكثر من البشر بنحو 45 نقطة مئوية في المتوسط، في أسئلة النصيحة العامة وفي مواقف خطأ واضح مأخوذة من منتدى «AmITheAsshole» على Reddit. وحين عُرض عليها طرفا النزاع نفسه، أيّدت الطرفين معًا في 48% من الحالات، فقالت للمخطئ وللمظلوم إن أحدًا منهما لم يخطئ.

ثم نُشر بحث للفريق نفسه في مجلة Science (مارس 2026) بعنوان «Sycophantic AI decreases prosocial intentions and promotes dependence». بحسب تغطية TechCrunch، أيّدت النماذج الأحد عشر أفعال المستخدمين بنسبة 49% أكثر مما يفعل البشر في المتوسط، وشارك في التجارب أكثر من 2,400 شخص. من تحدثوا مع نموذج متملق كانوا أقل ميلًا إلى الاعتذار، ووثقوا به أكثر، وقالوا إنهم سيعودون إليه للنصيحة. أي أن الميزة التي تضرّك هي نفسها التي تشدّك للعودة.

وتخيّل أثر ذلك في موقف يومي. تكتب لمديرك رسالة غاضبة وتسأل الأداة هل هي مناسبة، فتجيبك بأنها «واضحة وحازمة». ترسلها، ثم تكتشف بعد أيام أن النبرة كلّفتك أكثر مما توقعت. لم تكذب عليك الأداة بالمعنى الحرفي، لكنها لم تقل لك ما كان صديق صادق سيقوله في ثوانٍ: «انتظر حتى تهدأ».

لاحظ هذا قبل أن تقرر شيئًا مهمًا بناءً على «رأي» الأداة: أنت لا تعرف إن كانت تقرّ لك لأنك مصيب، أم لأنك أنت من سأل.

كيف تجعل الذكاء الاصطناعي يعارضك: أوامر جاهزة بالعربية

لا تحتاج إلى أداة أخرى. تحتاج إلى أن تغيّر السؤال. وفي الكتاب أداة بسيطة تفعل هذا مع نفسك: السؤال المعكوس («لو قدّم لك صديقك العذر نفسه، هل كنت ستقبله؟»)، ثم البحث الصريح عن دليل يعارضك، ثم كتابة الوقائع بدل التفسيرات. تستطيع نقل الخطوات نفسها إلى حوارك مع الذكاء الاصطناعي.

ومن العادات النافعة أن تبدأ بالسؤال المعكوس قبل أن تعرض رأيك أصلًا. اذكر الموقف بلا حكم، ثم اطلب: «ما الاحتمالات الثلاثة الأكثر ترجيحًا لما حدث؟». عندها لا تعرف الأداة أي جواب تريده، فلا تميل إلى جهة بعينها.

وتذكّر حدّ هذه الأوامر. هي لا تجعل الأداة معصومة، فقد تخترع هي أيضًا اعتراضات مفتعلة لتبدو «صادقة». المطلوب أن تسمع الجانب الآخر، لا أن تسلّم القرار لمعارض آلي بدل موافق آلي.

شهادة صادقة: اختبار الوقائع الثلاث قبل أن تصدّق الرد

في الكتاب أداة اسمها «كلمة فوق ثلاث وقائع»: حين تلخص موقفك بكلمة واحدة مريحة مثل «ظروفي»، اطلب من نفسك أن تكتب تحتها ثلاث وقائع محددة. الاختبار نفسه صالح لما تقرؤه من الأداة. قبل أن تتبنى أي رد، اسأل:

  • الواقعة الأولى: ما المعلومة القابلة للتحقق في الرد؟ اسم، رقم، تاريخ، مصدر.
  • الواقعة الثانية: هل ذكر الرد ما يعارضك، أم تجنّبه تمامًا؟
  • الواقعة الثالثة: ماذا يقول شخص خبير تعرفه حين يرى الموقف نفسه؟

فإن عجزت عن ملء الثلاث، فالرد كلام جميل لا أكثر. وهذا لا يعني أن تشك في كل شيء، بل أن تضع الثقة حيث يوجد دليل.

وإن وجدت أنك تلجأ إلى الأداة كل مرة لتتأكد أنك على حق، أو أنك تتضايق من أي رد يخالفك، فتوقف لحظة. إن أثّر ذلك في نومك أو علاقاتك أو قراراتك، فالأنسب أن تتحدث مع مختص نفسي أو مستشار تثق به، لا مع برنامج محادثة.

الخلاصة: الأداة التي توافقك ليست دليلًا على أنك مصيب

شات جي بي تي يتحسن، والشركات تعلن أنها تعمل على تقليل التملق. لكن الميل إلى الموافقة يأتي من طريقة تعلّم النماذج، وسيبقى قائمًا بدرجات متفاوتة. وأنت من يحدد هل تريد مرآة تجمّلك أم شاهدًا يصف لك ما حدث.

الأسئلة المضادة في هذا المقال ليست حيلة تقنية فقط، بل عادة ذهنية يتناولها الكتاب بتوسع: أن تستدعي عقلك شاهدًا لا محاميًا. وإن أردت أن تتدرب عليها بعيدًا عن الشاشة، ففي «استقالة من نفسك» فصل كامل عنها بقصصه وتمارينه.

أسئلة شائعة

لماذا يوافقني شات جي بي تي دائمًا؟

لأن النماذج تُحسَّن بتقييمات بشر يفضّلون في الغالب الردود التي توافقهم، فتتعلم الموافقة. تسمّي الأبحاث هذا السلوك «التملق».

هل شات جي بي تي يقول الحقيقة؟

كثيرًا ما يفعل، لكنه قد يميل إلى تأييدك في الآراء والمواقف. تحقق من المعلومات القابلة للتحقق، واطلب منه صراحة الرأي المخالف.

هل أصلحت OpenAI مشكلة المجاملة؟

تراجعت عن تحديث أبريل 2025 ووعدت بتحسين التدريب والتقييم. لكن الباحثين يرون أن الميل إلى الموافقة يتعلق بطريقة التعلم، فلا تفترض أنه اختفى.

كيف أجعل الذكاء الاصطناعي ينتقدني؟

اسأله السؤال المعكوس، واطلب أقوى حجة مضادة، واسأل ما الدليل الذي سيثبت خطأك، وأعد السؤال في محادثة جديدة.

متى أحتاج إلى مختص بدل الأداة؟

إن لجأت إليها كل مرة لتتأكد أنك على حق، أو أثّر ذلك في نومك أو علاقاتك أو قراراتك، فتحدث مع مختص نفسي أو مستشار تثق به.

المصادر

  1. Towards Understanding Sycophancy in Language ModelsarXiv (Sharma et al., Anthropic), 2023
  2. ELEPHANT: Measuring and understanding social sycophancy in LLMsarXiv (Cheng et al.), 2025
  3. Stanford study outlines dangers of asking AI chatbots for personal adviceTechCrunch, 2026
  4. OpenAI explains why ChatGPT became too sycophanticTechCrunch, 2025
  5. OpenAI rolls back ChatGPT's sycophancy and explains what went wrongVentureBeat, 2025
محمود شعبان فسفوس

محمود شعبان فسفوس

رئيس تنفيذي للتقنية والعمليات · مؤلف

قائد تقني بخبرة تتجاوز 15 عامًا بين السعودية وكندا والأردن في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وإدارة المشاريع. مؤلف «المدير الأعمى» و«استقالة من نفسك».