استقالة من نفسك
اقرأ هذا الفصل كما يُقرأ الكتاب: صفحات تُقلَّب، وموضعك محفوظ.افتح هذا الفصل في الكتاب

الفصل العاشر

الكلمة التي لا تعود

كيف تمسك نفسك قبل أن تخسر ما لا يُعوَّض؟

نحو 8 دقائق قراءة

الكتاب عند الباب

عاد كريم إلى بيت أهله في عطلة الفصل. وفي غداء الجمعة، والعائلة كلها حول الطاولة، سأله عمّه عن السكن، ثم التفت إلى الجالسين قبل أن يسمع الجواب: «أتذكرون ليلة امتحان الرياضيات في الثانوية العامة؟». وحكى أن أم كريم استيقظت في الثالثة فجرًا، فرأت ضوءًا تحت باب ابنها، فظنّته يذاكر. فتحت الباب، فوجدته في سريره، والهاتف الذي تركه على شاحن المطبخ في يده، والسماعة على أذنيه، يهمس لفريقه: «جولة واحدة فقط». وكتاب الرياضيات مغلق على الأرض.

ضحك الجميع، وضحك كريم معهم. ثم أضاف عمّه: «وهذا الذي أراد أن يعيش وحده! من سيطفئ له الشاشة هناك؟». علا الضحك. بقيت الابتسامة على وجه كريم، وانكسر طرف الخبز بين أصابعه. كاد يقول: «لم أعد ذلك الولد». ثم تذكّر ليالي السكن التي سهر فيها على اللعبة حتى دخل الضوء من النافذة، فبقيت الكلمة خلف أسنانه.

في المساء حملت أخته الصغيرة كتابها إلى غرفته. سوّت الصفحة بطرف كفها، وأعادت فرد الركن المثني. وقفت عند الباب وقالت: «اختر الصفحة». لم ينظر إلى الكتاب. نظر إلى شاشة هاتفه المعتمة، فظهرت فيها عيناه.

بدأت تقلب الأوراق بصوت مسموع. ارتفع كتفه، واشتد فكه؛ ضحك الغداء ما زال في أذنيه. سحبت أخته الكرسي الصغير إلى جواره؛ عرف صوت احتكاكه بالبلاط، وكان يحبه قبل أن يسافر. هذه المرة مدّ يده إلى ظهر الكرسي ليوقفه. وضعت إصبعها على أول سطر، وبدأت تقرأ.

سحب كريم الكرسي بعنف، وصرخ في وجه أخته: «اتركيني وحدي!». توقفت عن القراءة. أغلقت الكتاب بيدين، ومضت وهي تمسح خدها بكمّها.

خرج إلى المطبخ وشرب الماء واقفًا. لقد غيّر المكان، لكن الجملة خرجت قبله. بدأ يبررها: لم تنتهِ منذ دخلت، ولم يفهم أحد أنه متعب. فتح الصنبور دون حاجة، ثم أغلقه قبل أن يمتلئ الكوب. من الغرفة المجاورة وصله صوت أخته تقرأ بخفوت. لم تكن تقرأ له، ولم يجد كلمة يدخل بها عليها.

كم مرة ابتلعت كلمة أمام شخص، ثم خرجت في وجه شخص آخر؟ قد تسمع التحذير في كتفك وفكك قبل أن تسمع الجملة. الغضب حاضر؛ لكن أين ستضع كلمته، ومن سيدفع ثمنها؟

الغضب ليس الخصم

الغضب شعور طبيعي، وأحيانًا مفيد. الهادئ ليس من لا يغضب أبدًا.

الباحث الأمريكي رايان مارتن أمضى مسيرته يدرس الغضب وحده، لا كبند في قائمة مشاعر عامة. في كتابه Why We Get Mad١، يشرح أن الغضب غالبًا رسول: يخبرك أن حدًّا تجاوزه أحد، أو ظلمًا وقع، أو حاجة لم تُحترم.

بين الغضب والكلمة نافذة قد لا تتجاوز دقيقة واحدة. ليست القوة ألا تغضب، بل أن تملك تلك الدقيقة. وقد تفلت منك بالصراخ، أو بابتلاع الكلمة كأن الأمر انتهى.

حين تذهب الشرارة إلى مكان آخر

يسمّي علم النفس انتقال الغضب إلى غير صاحبه الإزاحة. قد تصمت أمام شخص يصعب عليك ردّه، ثم تخرج الكلمة عند شخص أقرب، تستطيع أن ترفع صوتك عليه. هدوء الغداء لا يعني أن الغضب انتهى؛ يحتاج بابًا يصل إلى سببه.

أن تعرف بالضبط ما بداخلك

لو سُئل كريم عن شعوره لقال: غاضب. إجابة صحيحة، لكنها ناقصة.

عالمة النفس ليزا فيلدمان باريت تدرس كيف تُصنع مشاعرنا. في كتابها How Emotions Are Made٢، تعرض تفسيرًا لا يعامل الغضب كملف جاهز يُفتح بالطريقة نفسها كل مرة. في هذا التفسير، يستخدم الدماغ خبراتك السابقة وما يجري حولك ليمنح أحاسيس الجسد معنى. ومفرداتك جزء مما تتعلم به تمييز تلك الخبرات. فما الذي يمنعنا أن نبحث عن كلمة أدق؟

من يملك مفردات أدق، يملك غالبًا تحكمًا أكثر. «غاضب» كلمة واحدة تحمل خليطًا: قد تكون إهانة، أو عجزًا عن الرد، أو خوفًا من فقدان الاحترام. وكل واحدة منها تحتاج ردًّا مختلفًا عن الأخرى.

الباحثة سوزان ديفيد تصف في كتابها Emotional Agility نمطين٣: «الكاتم» يدفع شعوره جانبًا، و«المجترّ» يعيد تشغيله في رأسه دون أن يتحرك منه. وتقترح طريقًا ثالثًا: أن تسمّي شعورك بدقة، وتنظر إليه بفضول، ثم تتصرف بما يوافق قيمك. كأن تقول: «أنا مُهان الآن، وسأختار كلامي مع ذلك».

ما بعد الجذبة

يروي أنس بن مالك أنه كان يمشي مع النبي ﷺ، وعليه برد نجراني غليظ الحاشية. أدركه أعرابي، وجذب الرداء جذبة شديدة حتى رأى أنس أثر حاشية البرد في عاتق النبي ﷺ. ثم طلب الأعرابي أن يأمر له بمال. يذكر أنس ما وقع بعد ذلك: التفت إليه النبي ﷺ، فضحك، ثم أمر له بعطاء٤.

وانظر إلى ما بعد الجذبة. الأثر الجسدي ظاهر في الرواية، والطلب جاء بعده. ومع ذلك لم تتخذ الاستجابة صورة الجذبة نفسها. نستطيع أن نرى الفعلين منفصلين.

المهلة القصيرة التي نمنحها لأنفسنا قبل الرد فرصة لاختيار الاستجابة، مع بقاء حقك في الكلام عن الموقف نفسه. ويختم أنس وصف الاستجابة: «فالتفت إليه، فضحك ثم أمر له بعطاء» (البخاري 3149).

حين تختفي المشاعر، إلى أين تذهب؟

أجرى الباحث النفسي جيمس غروس تجربة٥: عرض على متطوعين مقطعًا مزعجًا لبتر ذراع. طلب من مجموعة إخفاء تعبيرها، ومن أخرى النظر إلى المقطع بموقف محايد يقلل انفعالها، وترك ثالثة تشاهده كالمعتاد.

من أخفى تعبيره لم يشعر باشمئزاز أقل من مجموعة المشاهدة العادية، لكنه أظهر تعبيرًا أقل عن شعوره. بدا أهدأ من الخارج، دون أن يهدأ الشعور نفسه.

والأغرب أن إخفاء التعبير صاحبه نشاط أكبر في الجهاز العصبي الودي. فالكتمان ليس توقفًا عن الشعور، بل جهد لإخفائه، وله كلفة فسيولوجية.

أما من أعاد تقييم المشهد، فانخفض اشمئزازه الفعلي، من دون زيادة في الاستثارة الفسيولوجية مقارنة بمجموعة المشاهدة العادية. وفي حياتك، ابحث عن قراءة أخرى للموقف تفتح احتمالًا غير الحكم القاسي الأول.

لاحقًا، مع الباحث أوليفر جون، درس غروس تنظيم المشاعر في الحياة اليومية٦. ارتبط الاعتياد على إخفاء التعبير عن المشاعر برضا أقل عن الحياة وعلاقات اجتماعية أضعف. ارتباط لا يثبت أن الكتمان وحده هو السبب، لكنه يدعوك إلى سؤال: هل الصمت الذي تظنه حماية لمن حولك يقرّبهم منك فعلًا؟

الكتمان لا يفتح وحده بابًا لما أزعجك، والانفجار قد يوجّه كلامك إلى غير صاحبه. فلا يكفي أن تسكت، ولا أن تصرخ. تحتاج طريقًا ثالثًا.

وفي معنى ضبط الاستجابة: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ» (البخاري 6114)٧.

تحتاج خطوات في الدقيقة نفسها، وبابًا يخرج منه الشعور لاحقًا. سمِّ هذه المهلة هدنة، لا استسلامًا.

هدنة قصيرة، وباب صحيح

متى تستعملها: حين تشعر بالغضب وتوشك أن ترد، أو تلاحظ أنك تفرغه على شخص آخر. المدة: مهلة عشر دقائق مقترحة، ثم موعد للكلام مع صاحب الموقف حين تهدأ.

  1. سمِّ ما بداخلك بدقة: لا تكتفِ بـ«أنا غاضب»، ولا بـ«أنا بخير». اكتب جملة واحدة: «شعرت بـ... حين...». ما الذي في هذا الغضب: إهانة، أم عجز عن الرد، أم خوف؟ التسمية الدقيقة قد تُنزل الشعور من هيجانه.
  2. غيّر وضع جسدك فورًا: إن كنت واقفًا فاجلس. وإن كان الغضب لا يزال يشتد، فاستلقِ، أو امشِ بضع خطوات بعيدًا عن المكان.
  3. أجّل الكلمة لا الشعور: لك أن تغضب، وأعطِ نفسك وقتًا قبل أن ترد وأنت منفعل. أعطِ نفسك عشر دقائق قبل أي رسالة، أو جملة، أو قرار.
  4. افصل الحجم عن السبب: قبل أن تُفرغ الغضب على أول من تراه، اسأل: هل هذا كله بسبب هذا الموقف الصغير؟ ومن تسبب فيه فعلًا؟ أخوك الصغير، أو صديقك، أو زميلك في المذاكرة لا يستحق فاتورة كتبها غيره.
  5. افتح للشعور بابه الصحيح: إعادة التقييم لا تعني التنازل عن حقك. بدل «لا داعي لتعقيد الأمور» أو «لن يفرق شيء الآن»، جرّب: «هذا أزعجني، وله مكان لاحقًا: أتحدث مع صاحبه في وقت هادئ، أو أكتبه، أو أخطط ليوم مختلف.»

إن سقطت: افتح باب الإصلاح باعتذار واضح لمن وصل إليه غضبك.

إن آذيت أحدًا بانفعالك، فاعتذر بوضوح: «أخطأت حين صرخت في وجهك. كنت متضايقًا من أمر آخر، وهذا لا يبرر ما فعلت. سأحاول إصلاح أثره.»

الغداء التالي

في الصباح وقف كريم عند باب المطبخ، وأخته تجمع الفتات في صحنها. بدأ: «كنت متضايقًا…». رفعت عينيها إليه. توقف؛ سمع في الجملة طريقًا يعيد اللوم إليها.

تذكّر باب الإصلاح، وقال: «أخطأت حين صرخت في وجهك. غضبي لم يكن ذنبك». عند الباب الآخر كان أبوه واقفًا. نظر إليهما، ثم استدار ومضى بلا كلمة.

لم تفتح أخته الكتاب فورًا. قالت: «اخترتُ أمس صفحة طويلة». جلس كريم إلى جانبها: «نقرأها على مرتين». قرأت السطر الأول، وتعثرت في كلمة. انتظر.

في غداء الجمعة التالية أعاد عمّه قصة الثالثة فجرًا. شعر كريم بالحرارة في أذنيه، وسمّى ما يشعر به: إهانة أمام الجميع. استأذن إلى المطبخ قبل أن تخرج الكلمة، وجلس هناك عشر دقائق. وحين خرج عمّه إلى سيارته، مشى معه وقال: «قصة تلك الليلة تحرجني أمام الجميع. لا تعدها، من فضلك». قال عمّه: «كانت مزحة». قال كريم: «أعرف. ولا أريدها مرة أخرى». سكت عمّه لحظة، ثم قال: «كما تريد». وفي المساء وضعت أخته كتابها على ركبته: «اختر الصفحة». هذه المرة نظر إلى الكتاب، واختار صفحة، وقرّب لها الكرسي الصغير.

من يدفع ثمن غضبك؟

لا تجب بسرعة، وخذ وقتك:

  1. من الشخص الذي يتحمل غضبك أكثر من غيره، مع أنه أقل الناس ذنبًا فيه؟
  2. لو عدت بالساعة عشر دقائق إلى ما قبل آخر مرة ارتفع فيها صوتك، ما الذي كان يضايقك ولم تقله لأحد؟

وفي المساء نفسه، قبل أن تنزل لينا من سيارتها أمام بيت أختها، أضاء هاتفها بإشعار بريد واحد. وضعت مفتاحها على المقعد المجاور، وفتحت الرسالة التي وصلت بعد أسابيع من الانتظار.

المراجع (7)
  1. ١Martin, R. (2021). Why We Get Mad: How to Use Your Anger for Positive Change. Watkins.
  2. ٢Barrett, L. F. (2017). How Emotions Are Made: The Secret Life of the Brain. Houghton Mifflin Harcourt.
  3. ٣David, S. (2016). Emotional Agility: Get Unstuck, Embrace Change, and Thrive in Work and Life. Avery.
  4. ٤البخاري، الصحيح، حديث 3149؛ عن أنس بن مالك، جذب الأعرابي الرداء ثم العطاء. صحيح. نص الحديث.
  5. ٥Gross, J. J. (1998). Antecedent- and response-focused emotion regulation: Divergent consequences for experience, expression, and physiology. Journal of Personality and Social Psychology, 74(1), 224–237.
  6. ٦Gross, J. J., & John, O. P. (2003). Individual differences in two emotion regulation processes: Implications for affect, relationships, and well-being. Journal of Personality and Social Psychology, 85(2), 348–362.
  7. ٧البخاري، الصحيح، حديث 6114؛ عن أبي هريرة، ملك النفس عند الغضب. صحيح. نص الحديث.