استقالة من نفسك
اقرأ هذا الفصل كما يُقرأ الكتاب: صفحات تُقلَّب، وموضعك محفوظ.افتح هذا الفصل في الكتاب

الفصل الخامس عشر

الاستثناء الذي منحته لنفسك

هل يتغيّر حق غيرك حين تتغيّر حجّتك؟

نحو 6 دقائق قراءة

في الربيع، كان كريم في البيت لعطلة نهاية الأسبوع، وظهر الجمعة ركب مع أبيه إلى المسجد. تأخرا، وحين وصلا كان صوت الخطيب يخرج من مكبّر الصوت. لم يجد أبوه موقفًا. أوقف السيارة في منتصف الشارع الضيق قرب المسجد، فلم يبقَ بجانبها ممرّ لسيارة. أطفأ المحرك وقال: «دقائق، ونعود». وكان كريم يعرف أن «دقائق» أبيه يوم الجمعة تتسع للخطبة والصلاة والسلام على نصف الحي.

نزلا ومشيا نحو الباب. وصلت سيارة بيضاء إلى سيارة أبيه وتوقفت: لا ممرّ أمامها، وخلفها سيارة أخرى تمنعها من الرجوع. أطلق سائقها البوق مرة قصيرة، ثم مرة طويلة. التفت كريم. كان أبوه قد بلغ باب المسجد، وانحنى يخلع حذاءه.

أراد كريم أن يقول: «أبي، السيارة تسد الطريق». لكن أباه على عتبة المسجد، والخطيب يتكلم. لو قالها الآن، لبدت اعتراضًا على الصلاة نفسها، لا على السيارة. سكت، وخلع حذاءه بجانب حذاء أبيه. ومن الشارع وصل البوق مرة ثالثة.

قد تعرف هذا الضيق: ترى فعلًا يضرّ غيرك، وسببه نبيل، فتسكت كي لا يبدو اعتراضك على الفعل اعتراضًا على ما تحبه. وقد تكون أنت صاحب الفعل نفسه. السيارة تسد الطريق؛ هل تغيّر الحجّة حقّ من ينتظر خلفها، أم تحسّن صورة صاحبها عن نفسه فقط؟

الحجّة التي غيّرت السؤال

الأب يحفظ موعدًا، ثم يستثني حقًا آخر حين يكون هو المستفيد. هذا هو الفعل الذي نفحصه، دون أن نحتاج حكمًا على حياته كلها.

«هي عبادة، فلا بأس»: هذا هو التبرير المدفوع بالرغبة، أن تبحث عما يبرّر اختيارك بدل فحصه. يبدّل السؤال من مرور الناس إلى حسن وجهتك. حسن الوجهة لا يفتح الطريق ولا يعيد وقت المنتظر.

والترخيص الأخلاقي هو استعمال رصيد فعل تقدّره لمنح نفسك إذنًا بخطأ آخر: «أنا أصلي، فلي أن…». ليس تشخيصًا للأب أو لكل مصلٍّ؛ نفحص هل أدخل حق غيره في حساب هذا الموقف.

وقد يقول المحامي: الجميع يفعل ذلك، أو المكان ضيق. التكرار لا يمنح إذنًا، وضيق المكان لا يجعل السائق مسؤولًا عن حلّه بوقته. الجزء المتاح للتصحيح هو موضع السيارة ووقت الخروج.

حين يتبدّل صاحب الفعل

اسأل: «لو فعلها غيري لسبب دنيوي، هل أقبل؟». تخيل السيارة نفسها أمام محل، وصاحبها يقول إنه لن يتأخر في شراء حاجته. لو اعترضت، فما الذي تغيّر هنا غير القصة التي تحكيها عن نفسك؟ السؤال يعيد الحق إلى حجمه، بعد أن غطّته الحجّة.

وقد تأخذ دور غيرك لأن موعدك مهم، أو تؤخر دينًا ثم تذكر صدقتك. لكل موقف ظروفه، والسؤال باقٍ: من يحمل كلفة اختياري، وهل وافق عليها؟

يمكنك الاعتراض على الفعل دون محاكمة إيمان صاحبه، ويمكنه تصحيحه دون إنكار ما يحبه من عبادة. الدفاع عن الهوية كلها قد يحجب خطأً صغيرًا يمكن إصلاحه.

مكان يجلس فيه الناس

يروي أبو سعيد الخدري أن النبي ﷺ نهى عن الجلوس في الطرقات. قال الصحابة إن لهم مجالس يتحدثون فيها، فجاء الجواب: «فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه». وسألوا عن حقه، فذُكر غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر١.

والحكاية لا تقف عند حاجة الجالسين إلى مجلسهم. تنتقل إلى حق من يمرّ بهم. للمجلس وظيفة عند أهله، لكن الطريق لا يصير ملكًا لهم بسبب هذه الوظيفة.

المجلس والسيارة مختلفان، لكن ما يجمعهما هو النظر من جهة من يتأثر بالفعل. العبادة لا تُسقط حق الناس، وإزالة الأذى عن الطريق نفسها من شعب الإيمان: «وأدناها إماطة الأذى عن الطريق»٢.

السؤال المعكوس

متى تستعملها: حين تسمع نفسك تجد لفعل يضرّ بغيرك عذرًا من مقصد تحبه.

  1. صِف الفعل بلا حجّته: سيارة تسد طريقًا، أو دور أخذته من غيرك.
  2. سمِّ الشخص الذي يحمل كلفته، وما خسره بسببه.
  3. اعكس الموقف: لو فعلها غيري لسبب دنيوي، هل أقبل؟
  4. صحّح ما تستطيع الآن، وحدّد ترتيبًا للموعد التالي يمنع تكراره.

المدة: دقيقتان للفحص، ثم ابدأ التصحيح المتاح.

إن سقطت: أوقف الضرر حين تراه، واعتذر إن أمكن؛ لا تنتظر سجلًا كاملًا لتعود.

بعد الصلاة سلّم أبوه على نصف الحي، كما توقّع كريم، ثم خرجا. كانت السيارة البيضاء في مكانها، وسائقها واقف عند بابها المفتوح. الصلاة انتهت، والطريق ما زال مسدودًا. مشى كريم بجانب أبيه، وسأله بهدوء: «لو أوقف غيرك سيارته هكذا أمام محل ليشتري حاجته، هل كنت ستقبل ذلك منه؟». لم يجب أبوه. أخرج المفتاح، ورفع يده للسائق معتذرًا، ثم نقل السيارة إلى زاوية الشارع. مرّت السيارة البيضاء، وتبعتها السيارات التي علقت وراءها. ركب كريم بجانب أبيه، ولم يقل أحدهما شيئًا حتى البيت.

وفي زيارة كريم التالية، يوم الجمعة، طرق أبوه بابه قبل الأذان بنصف ساعة: «هيا». أوقف السيارة في موقف خلف المخبز، بعيدًا عن الشارع الضيق، وأطفأ المحرك وقال: «خمس دقائق مشيًا». مشيا إلى المسجد، ووصلا قبل أن يصعد الخطيب المنبر.

من أنت حين تعد؟ هل تحفظ وقت من يعرفك، أم وقت من لا تعرف اسمه أيضًا؟ قبل موعدك القادم، حدّد شيئًا واحدًا يستطيع غيرك استعماله دون أن تعوقه. وحقه لا يتغيّر بحجّتك.

وحين عاد مساء السبت إلى غرفته في السكن، مرّ كريم بإصبعه على حافة الدرج. كان الظرف في الداخل كما تركه، ولأول مرة لم يخَف ما فيه. لم يفتح الدرج، وأخذ يفرغ حقيبته.

المراجع (2)
  1. ١مسلم، الصحيح، كتاب اللباس والزينة، حديث 2121a، عن أبي سعيد الخدري؛ اللفظ له. والبخاري، الصحيح، كتاب المظالم، حديث 2465. رواية مسلم؛ رواية البخاري.
  2. ٢مسلم، الصحيح، كتاب الإيمان، حديث 35b، عن أبي هريرة، في شعب الإيمان. نص الحديث.