استقالة من نفسك
اقرأ هذا الفصل كما يُقرأ الكتاب: صفحات تُقلَّب، وموضعك محفوظ.افتح هذا الفصل في الكتاب

الفصل التاسع عشر

قُم… ولو للمرة المئة

كيف تعود بعد أن تتعثر؟

نحو 7 دقائق قراءة

بقيت حقيبة الرياضة عند باب غرفة كريم أشهرًا، والحمّى التي أبعدته عنها لم تدم إلا أسبوعين. عاد في أواخر الصيف إلى السكن، ووجدها كما تركها؛ تعلّق بها حزام حقيبته عند الدخول. فكّه ووضعه على السرير. على الهاتف منبّه الأحد القديم، وفي الحقيبة قميص غسلَه قبل المرض. فتح السحّاب ثم أغلقه. جاء زميله، وقد صار يجري وحده منذ مرض كريم، وقال: «هيا نرجع معًا». قال كريم: «حين أرجع بقوتي الأولى». لم يجادله زميله. تذكّر كريم أربعة أشهر بدأت بجري الأحد وحده، ثم صار يجري أربع مرات في الأسبوع، إلى أن جاء أسبوعا الحمّى في الشتاء. أخرج الحذاء؛ بقيت عقدته منذ آخر مرة خرج فيها للجري. حاول أن يفكها، فشدّها أكثر. ترك الحذاء خارج الحقيبة. وفي صباح الأحد قام إلى النافذة، وكان زميله يربط حذاءه عند الباب. سمع السؤال الذي يعرفه: «جريت؟». قال: «ليس بعد». حمل زميله مفتاحه، وأبقى الباب مواربًا. على شاشة كريم ظهر المنبّه: «الأحد، السادسة، الحديقة». لم يُسكت الرنين، ولم يقم. من الباب الموارب جاء صوت خطوات زميله على السلم، ثم غاب.

قد يفوتك يوم، ثم تسمع الجملة التي تجعل الغياب أسبوعًا: ضاع الجهد كله. ليست كل وقفة زلة؛ للمرض والراحة حقهما. لكن حين تستطيع العودة، بأي جملة تصف ما حدث؟ انظر إلى الفرق بين حجم الغياب وحجم الحكم الذي تلحقه به.

المسافة بين أن تتعثر وأن تسقط

الزلة حادثة صغيرة محدودة: يوم غاب، أو وجبة خرجت عن الخطة، أو أسبوعان بلا نادٍ. الانتكاسة أكبر من ذلك بكثير: عودة كاملة إلى ما كنت عليه قبل أن تبدأ.

الباحثان آلان مارلات وجوديث غوردون درسا هذا التحول تحديدًا في برامج علاج الإدمان، ووصفا ما يحدث باسم دقيق: أثر انتهاك الامتناع١.

حين يلتزم شخص بالامتناع عن سلوك ثم يزل، قد يفسّرها بقسوة: أنا فاشل. هذا التفسير يفتح باب العودة الكاملة: إن كنت قد فشلت أصلًا، فلماذا أتوقف؟ الحكم الذي أراد به منع التكرار يدفعه إليه.

الخط قبل الزلة وبعدها

قد تتذكر كريم في الفصل الثالث، وسيجارة المقهى التي أعادته بعد شهر إلى علبة كاملة. هناك قلنا إن الاستثناء الأول يصير سابقة، وإن الخط الساطع يمنعه. وهنا نقول إن الزلة ليست انتكاسة. فأيهما نصدّق؟

كليهما، في لحظتين مختلفتين. الخط الساطع يعمل قبل الخطوة الأولى. وإن انكسر، فالجملة التالية تقرر: سيجارة واحدة، أم عودة كاملة؟ كريم جعل سيجارة المقهى حجته في السهرة التالية. والمحامي الذي عرفته في الفصل السادس يجيد هذه المرافعة: ما دام الخط قد كُسر، فلا فرق.

لو قال كريم: «دخّنت سيجارة واحدة، وأعود الآن إلى الامتناع»، لأعطى نفسه فرصة. الخط يحمي البداية، والجملة تحمي ما بعد الكسر.

توقف كريم عن الجري هذا العام لم يكن زلة؛ كان مرضًا، والراحة فيه حق لا تقصير. المشكلة حكمه بعده على قدرته كلها.

عرض الباحثون جيمس بروتشاسكا وكارلو ديكليمنتي وجون نوركروس، في مراجعة لأبحاث تغيير السلوك الإدماني، خريطة لمراحل التغيير: من عدم التفكير فيه، إلى التفكير، ثم الاستعداد، ثم الفعل، ثم المحافظة عليه٢. والانتكاسة في خريطتهم ليست نهاية المسار. تعيد الشخص إلى مرحلة سابقة، ومنها يبدأ مرة أخرى.

وفي الأبحاث التي راجعوها، كان المرور بهذه المراحل مرات عدة نمطًا شائعًا قبل إنهاء السلوك الإدماني. التغيير، في هذه الخريطة، لا يسير دائمًا في خط مستقيم.

إن تكرر التعثر، فاسأل ما الذي يحتاج إلى تغيير في الخطة أو الدعم، بدل إعادة الحكم على نفسك.

خمسون ليلة ثم عودة

في الفصل السادس رأينا كعب بن مالك يؤجل التجهيز ثم يختار الصدق. كان الناس قد امتنعوا عن كلامه بأمر النبي ﷺ. بقي على حاله حتى اكتملت خمسون ليلة من بدء المقاطعة. وفي صباحها، بعد صلاة الفجر، سمع من جبل سلع صوتًا يبشره. سجد، ثم خرج إلى النبي ﷺ. كان الناس يلقونه ويهنئونه، ولما دخل المسجد قام إليه طلحة بن عبيد الله، فصافحه وهنّأه. يقول كعب إنه لم ينس ذلك لطلحة.

ولا تنتهي الحكاية عند الاعتراف الأول. لها وقت طويل بعده، ثم لقاء وتهنئة ووعد بما يأتي: جعل كعب الصدق التزامًا فيما بقي من عمره. لم تكن العودة محوًا لما وقع، بل بداية يروي معها ما سيفعله بعدها.

ما ينقلنا من قصة كعب إلى أداة هذا الفصل هو الانتقال من وصف الواقعة إلى فعل تالٍ واضح. ولا تجعل مدة الانتظار في قصة أحد معيارًا لعودتك أنت؛ خطوتك الممكنة لها موعد تستطيع تحديده الآن.

وكانت البشرى: «أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ»٣.

عقدة لم تُفكّ

بحث كريم في هاتفه عن برنامج الجري الذي كان يلتزمه قبل المرض. أول يوم فيه أطول مما يستطيع الآن. حدّد أربع حصص للأسبوع القادم، ثم نظر إلى الحذاء عند الباب. قال لزميله: «أرجع كما كنت، أو لا فائدة». أشار زميله إلى أول خانة في البرنامج: «هذه اليوم؟». أطفأ كريم الشاشة. لو خرج عشر دقائق، فلن يجد لها خانة في الجدول القديم. فتح سحّاب الحقيبة مرة ثانية، ثم أغلقه دون أن يخرج القميص.

ثلاث جمل بعد الزلة

اضبط الجملة في أول دقيقة بعد التعثر، قبل أن تكبر. إليك ثلاث جمل تحل محل «أفسدتُ كل شيء»، وخطوتين تكملانها:

متى تستعملها: في أول دقيقة بعد فوات عادتك، أو حين تؤجل العودة حتى تستعيد صورتك القديمة. المدة: خمس دقائق للكتابة، وخطوة عودة تحدد وقتها اليوم، على قدر ما تسمح به حالتك.

  1. جملة الوصف: صف ما حدث بحجمه الحقيقي، لا بحجم شعورك تجاهه. «توقفت أسبوعين بسبب المرض، ثم أخّرت العودة أشهرًا» جملة دقيقة. «خسرت كل شيء» جملة مبالغ فيها.
  2. جملة الفصل: اكتب: الزلة حادثة، لا هوية جديدة. لم تصبح كسولًا خلال أسبوعين، تمامًا كما لم تكن بطلًا خلال الأشهر الأربعة السابقة.
  3. جملة العودة: لا تنتظر بداية الأسبوع، ولا استعادة «القوة الأولى» كاملة. عُد اليوم، بأصغر نسخة ممكنة: عشر دقائق، لا ساعة كاملة.
  4. اختر شاهدًا على العودة نفسها، لا على الاستمرار المثالي: أخبر صديقًا: «رجعت اليوم، ولو بخطوة صغيرة»، بدل الاختفاء حتى تصبح جاهزًا بالكامل.
  5. افصل بين توقف فرضه عليك المرض وتوقف اخترته: الأول لا يُحاكَم عليه أحد. والثاني يمكن أن تندم عليه، دون أن تصدر حكمًا نهائيًا على قدرتك كلها. وفي الحالين، حدد خطوة عودة على مقاس قوتك اليوم، لا قوتك قبل التوقف.

إن سقطت: أعد جملة الوصف، وحدد أقرب فرصة للخطوة الصغيرة، واطلب دعم شاهدك من جديد.

في صباح الاثنين، كتب كريم على ورقة: توقفت أسبوعين بسبب المرض، ثم أخّرت العودة أشهرًا. ترك تحتها سطرًا: المرض حادثة، وحكمي بعده حادثة أخرى. وحين همّ زميله بالخروج ناداه: «تعال معي اليوم، عشر دقائق فقط». سأله زميله: «لا ننتظر الأحد؟». قال: «أعود بما أقدر عليه اليوم». خرجا حتى المنعطف القريب. انقطع نَفَسه قبل نهاية الدقائق، فمشى زميله إلى جانبه، ومشيا بقية الطريق. وفي الغرفة كتب: خرجت عشر دقائق؛ نصفها مشي. خرج يجري مرتين في الأسبوع الأول. وفي الثاني نام متأخرًا وفاته يوم. وصلت رسالة زميله: «أنزل؟». مدّ يده ليكتب: انتهى الأسبوع. توقف، وعاد إلى سطر «إن سقطت». كتب: «غاب يوم. غدًا عشر دقائق». وضع الحذاء عند الباب، وفك عقدته هذه المرة قبل النوم. في اليوم التالي سبق زميله إلى العتبة.

حين ينسحب الشاهد

الشاهد الخارجي سقالة، لا جدار. يعينك ريثما يشتد البناء، ثم ينسحب على مهل.

وفي ليلة لعب فيها كريم مع أسماء لا يعرفها، عاد إلى رسائله بعد الجلسة، وأصلح جملة لم يكن أحد من فريقه المعتاد سيقرؤها. لم يسأله أحد هذه المرة؛ سأل هو نفسه: هل كنت سأكتبها هكذا لو عرفوا اسمي؟ هكذا يعمل الشاهد: يبدأ السؤال، ثم يتعلم صاحبه أن يسأله لنفسه.

في الفصل الثامن رأينا كيف تبدأ مراجعة ما ورثته قبل أن تختار ما توقّعه بنفسك. والأمر نفسه لوعدك حين تعرف لماذا تفي به، لا لمن. هذا ما سمّاه علماء النفس في الفصل الأول «التنظيم الداخلي».

خفّف سؤال صديقك بحسب حاجتك، لا وفق موعد ملزم: من كل يوم إلى مرة في الأسبوع، ثم إلى أن تخبره أنت. يبقى دفترك وسطر: ذهبت، أو لم أذهب. وإن تعثرت، اطلب دعمه من جديد.

وفي آخر السقالة، حين ينسحب كل شاهد، لا تبقى وحدك. ويبقى معنى الإحسان: «فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» (البخاري 50، مسلم 8). شاهد لا يغيب، ولا يغفو، ولا ينتظر رسالة كل ثلاثاء. في أول الكتاب استعرنا شهودًا من الناس، لأننا لم نتدرب على غيرهم. وفي آخره نتذكر من كان يرانا طوال الوقت.

لست بحاجة إلى عدّ تعثراتك لتستحق العودة. تحتاج خطوة واحدة تناسبك الآن، لا خطوة تليق بمن لم يتعثر قط.

الدقائق الأولى بعد التعثر

لا تنتظر تعثرًا جديدًا لتجرّب. خذ آخر عادة توقفت عنها، واكتب عنها، في دفتر أو حيث لا يشتّتك شيء، ثلاث جمل فقط: جملة وصف بالأرقام الحقيقية، كما فعل كريم. وجملة فصل: ما الذي كان حادثة، وما الذي جعلته حكمًا؟ وجملة عودة، بأصغر نسخة تستطيعها خلال الساعة القادمة.

ثم أكمل هذه الجملة قبل أن تغلق الكتاب: «في المرة القادمة التي أتعثر فيها، أول ما سأقوله لنفسي هو…».

الأعذار لا توصلك إلى شيء. يوصلك إصرار يمرّ بالفشل.

هذه الصفحات لا تمنع تعثرك، لكنها قد تقصّر المسافة بينه وبين القيام. والخطوة التي كتبتها الآن هي البداية.

وفي آخر عطلة نهاية أسبوع قبل بدء الدراسة، زار كريم أهله، ودعاه شباب الحي إلى سهرة شدّة في المقهى القريب؛ كانوا ثلاثة، وينقصهم رابع. وزّع أحدهم الورق، وعلى طرف الطاولة علبة سجائر مفتوحة، باللون الذي يعرفه. بعد جولتين مدّ إليه صديق قديم العلبة: «واحدة؟». وضع كريم كفه على محفظته، وتحت أصابعه حافة البطاقة الممسوحة؛ كان يعرف سطرها دون أن يخرجها.

قال كريم: «أنا لا أدخّن».

المراجع (3)
  1. ١Marlatt, G. A., & Gordon, J. R. (Eds.). (1985). Relapse Prevention: Maintenance Strategies in the Treatment of Addictive Behaviors. Guilford Press.
  2. ٢Prochaska, J. O., DiClemente, C. C., & Norcross, J. C. (1992). In search of how people change: Applications to addictive behaviors. American Psychologist, 47(9), 1102–1114. https://doi.org/10.1037/0003-066X.47.9.1102
  3. ٣البخاري، صحيح البخاري، كتاب المغازي، حديث 4418 (كعب بن مالك). https://sunnah.com/bukhari:4418