بناء فريق عمل ناجح: 5 أمراض تقتل الفرق وكيف تعالجها
فريقك ليس أشخاصاً في غرفة واحدة. ماذا وجدت جوجل في دراسة 180 فريقاً، وما أمراض لينسيوني الخمسة، وكيف تجري اختباراً من 10 أسئلة هذا الأسبوع؟
الخلاصة
- الفريق لا يصنعه جمع الأشخاص في قسم واحد، بل شروط تهيّئها: وضوح من في الفريق، واتجاه، وبنية، ودعم.
- في دراسة جوجل لـ180 فريقاً جاء الأمان النفسي أولاً بين خمسة عوامل، تلاه الاعتمادية ثم الوضوح ثم المعنى ثم الأثر.
- عند لينسيوني تقوم الأمراض الخمسة فوق بعضها: لا صراع صحي بلا ثقة، ولا التزام ولا مساءلة بلا صراع صحي.
- لا تنتظر الإجماع: اجعل الجميع يُسمَع قبل القرار ثم يلتزم، ودرّب الزملاء على مساءلة بعضهم بعضاً بدل أن تكون أنت الرقيب الوحيد.
- النموذجان عدسة تشخيص لا قانون علمي: طبّق اختبار الأسئلة العشرة وعالج أول طبقة ضعيفة من القاعدة.
اجتماع صباح الاثنين. تعرض خطة الربع الجديد، فيهزّ الجميع رؤوسهم موافقين. لا اعتراض ولا سؤال، ولا كلمة عن الموعد الذي يعرف نصفهم أنه مستحيل. وبعد ساعة تمرّ قرب المطبخ، فتسمع الحقيقة كاملة، بصوت منخفض، بين اثنين من فريقك.
هذا المشهد لا يعني أن فريقك سيئ. يعني أن حول طاولتك أشخاصاً أكفاء، وليس بالضرورة فريقاً. والفرق بين الاثنين هو موضوع هذا المقال، ومنه يبدأ بناء فريق عمل ناجح: ماذا وجدت جوجل حين بحثت عمّا يجعل الفرق تنجح، وما الاختلالات الخمسة التي وصفها باتريك لينسيوني، وكيف تجمعهما في اختبار من عشرة أسئلة تجريه على فريقك هذا الأسبوع.
الفريق ليس مجموعة أشخاص في غرفة واحدة
وضع خمسة مهندسين في قسم واحد لا يصنع فريقاً، كما أن وقوف أحد عشر لاعباً في ملعب لا يصنع منتخباً. في المجموعة يؤدي كل شخص مهمته ويُحاسَب عليها وحده. أما في الفريق فنجاح كل عضو مرتبط بنجاح الآخرين، ولا ينجح أحد بمفرده.
ويرى الباحث ريتشارد هاكمان في كتابه «قيادة الفرق» (2002) أن أداء الفريق يتوقف على مدى إتقان القائد تصميم الفريق ودعمه حتى يدير أعضاؤه أنفسهم، لا على أسلوبه الشخصي في القيادة. وحدّد خمسة شروط: فريق حقيقي، واتجاه واضح محفّز، وبنية تساعد على العمل المشترك، ودعم من المؤسسة، وتوجيه كفء.
ومن ملاحظات الكتاب ما يبدو بديهياً، وقد وصفه أحد مراجعيه بأنه بسيط لكن قد يُغفَل عنه: أن يعرف أعضاء الفريق من هو فعلاً في الفريق. اطلب من كل عضو أن يكتب أسماء أعضاء الفريق، وقد تُفاجأ باختلاف القوائم. وما دام هذا السؤال بلا جواب مشترك، فالحديث عن الثقة والمساءلة سابق لأوانه.
ماذا اكتشفت جوجل حين درست 180 فريقاً؟
أرادت جوجل أن تجيب عن سؤال واحد: ما الذي يجعل الفريق فعّالاً عندنا؟ فدرست في ما سمّته «مشروع أرسطو» 180 فريقاً، منها 115 فريقاً لمشاريع هندسية و65 مجموعة مبيعات، وأجرت مئات المقابلات مع القادة، بحسب دليل re:Work الذي تنشره الشركة. وخلص الباحثون إلى أن الأهم هو كيف يعمل الفريق معاً، لا من يكون فيه.
وقد تفاجئك عوامل لم يظهر لها ارتباط ذو دلالة بفعالية الفريق في جوجل: وجود الزملاء في مكان واحد، واتخاذ القرارات بالإجماع، وانبساطية الأعضاء، والأداء الفردي لكل عضو، وحجم العمل، والأقدمية، وحجم الفريق، ومدة الخدمة. ويقول الدليل نفسه إنها قد تهم في سياقات أخرى، فلا تعمّم النتيجة.
أما العوامل الخمسة التي ميّزت الفرق الفعّالة فرتّبتها جوجل بحسب الأهمية:
- الأمان النفسي: أن يشعر العضو أنه يستطيع المخاطرة أمام زملائه، بسؤال أو فكرة أو اعتراف بخطأ، دون أن يُنظر إليه كجاهل أو عديم الكفاءة.
- الاعتمادية: أن ينجز الزملاء عملاً جيداً في وقته باستمرار.
- البنية والوضوح: أهداف محددة وطموحة وقابلة للتحقيق.
- المعنى: أن يجد العضو غاية شخصية في العمل نفسه أو في ناتجه.
- الأثر: أن يرى أن عمله يخدم أهداف المؤسسة.
وقد عرّفت إيمي إدموندسون من كلية هارفارد للأعمال الأمان النفسي للفريق عام 1999 بأنه اعتقاد مشترك بين أعضاء الفريق بأن الفريق آمن للمخاطرة بين الأشخاص. بلغة المكاتب: هل تستطيع أن تسأل سؤالاً يبدو ساذجاً، أو تعترف بخطأ، أو تعترض على قرار، دون أن تدفع الثمن؟ في دراستها لـ51 فريقاً في شركة تصنيع، ارتبط هذا الأمان بسلوك التعلم في الفريق، وكان التعلم هو الحلقة التي توصل أثره إلى الأداء. ومن عبارات استبيان جوجل لقياسه: «إذا ارتكبتُ خطأً في فريقنا فلا يُحتسب عليّ».
والأمان النفسي ليس اهتمام جوجل وحدها. فقد جمع تحليل تلوي نُشر عام 2017 نتائج 136 عينة مستقلة، شملت أكثر من 22 ألف شخص ونحو 5 آلاف مجموعة. وبحسب ملخص علمي له، ارتبط الأمان النفسي ارتباطاً قوياً بتبادل المعلومات وسلوكيات التعلم. لكن أغلب الدراسات المشمولة مقطعية، أي إنها تلتقط صورة في لحظة واحدة، فلا نستطيع أن نستنتج منها علاقة سببية. اعتبره فرضية قوية تستحق أن تختبرها في فريقك، لا قانوناً.
الأمراض الخمسة: من غياب الثقة إلى إهمال النتائج
باتريك لينسيوني، مؤسس شركة «ذا تيبل غروب» الاستشارية، نشر عام 2002 كتاب «الاختلالات الخمسة للفريق» (The Five Dysfunctions of a Team) على هيئة حكاية قيادية. ونسمّي الاختلالات هنا أمراضاً على سبيل التشبيه. ويصوّر لينسيوني الاختلالات الخمسة هرماً، كل مستوى فيه يقوم على الذي تحته: بلا ثقة يتجنب الفريق الصراع، وبلا صراع لا يوجد التزام حقيقي، وبلا التزام تنهار المساءلة، وبلا مساءلة تتراجع النتائج.
1. غياب الثقة
العلامة: لا أحد يعترف بخطأ أو يطلب مساعدة، لأن الظهور بمظهر الضعيف مكلف. يربط لينسيوني ذلك بالخوف من إظهار الضعف أمام الزملاء. العلاج الذي أقترحه: ابدأ بنفسك. قل في اجتماعك القادم جملة واحدة مثل: «أخطأتُ في تقدير هذه المهمة، وهذا ما تعلمته منها». وحين يرى الفريق أن الاعتراف لا يُسقط صاحبه، يتجرأ غيرك. وللثقة فصل كامل في كتاب «المدير الأعمى» بعنوان «الحساب البنكي للعلاقات — عملة الثقة».
2. الخوف من الصراع
العلامة: اجتماعات مهذبة يوافق فيها الجميع ظاهرياً، ثم تظهر الخلافات الحقيقية في الممرات والمحادثات الجانبية. يقول لينسيوني إن الرغبة في الحفاظ على انسجام مصطنع تخنق الصراع المنتج حول الأفكار.
3. ضعف الالتزام
العلامة: القرار نفسه يعود إلى الاجتماع بعد أسبوعين، ويخرج كل واحد بفهم مختلف لما تقرر. السبب غياب الوضوح أو القناعة، فلا يلتزم الناس بقرار لم يفهموه أو لم يُسمَعوا فيه. العلاج: في ختام كل اجتماع، اطلب من كل عضو جملة واحدة تجيب: ماذا قررنا، ومن يفعل ماذا، ومتى؟ فإن اختلفت الجمل، فالقرار لم يكتمل بعد.
4. تجنّب المساءلة
العلامة: الجميع يرى الزميل المتأخر في تسليم عمله، ولا يقول له أحد شيئاً، فيصير المدير الوحيد الذي يتكلم. السبب أن الناس يتجنبون الحرج بين الزملاء، فيقدّمونه على أداء الفريق.
5. إهمال النتائج
العلامة: كل عضو يحقق هدفه الشخصي، والفريق يخفق في هدفه. يقول لينسيوني إن السعي وراء الأهداف الفردية والمكانة الشخصية يقوّض التركيز على النجاح الجماعي. وتقترح شركته لوحة نتائج مشتركة، محددة ومعلنة، حتى لا ينجح أحد بهدوء بينما الفريق يخفق. اختر ثلاثة أرقام للفريق كله لا لكل فرد، وعلّقها حيث يراها الجميع.
انتبه إلى منطق الهرم: لا تبدأ بإصلاح المساءلة وأنت تعلم أن الثقة غائبة. وتنص مواد الشركة نفسها على أن القائد يبدأ من قاعدة الهرم ثم يبني فوقها. ويتقاطع النموذج مع ما وجدته جوجل، وهذه قراءتي أنا لا قراءة أي من الطرفين: ما يسميه لينسيوني الثقة قريب مما سمّته جوجل الأمان النفسي، وما يسميه الالتزام والنتائج يشبه البنية والوضوح والأثر.
وللإنصاف: قدّم لينسيوني نموذجه في كتاب حكائي لا في دراسة. يقرّ عالما النفس التنظيمي غوردون كيرفي وروبرت هوغان، في كتابهما «نموذج الصاروخ» (2012)، بأنه نموذج بسيط ومفيد، لكنهما يريان أن الكتاب عمل خيالي بوضوح، لا يستند إلى بحث، وأن توصياته العملية تفتقر إلى سند تجريبي. ومن أمثلتهما تمارين البوح الشخصي التي يوصي بها لبناء الثقة؛ فهما يشكّان في جدواها، ويستشهدان بما يراه كاتزنباخ وسميث من أن الطريقة الفعالة الوحيدة لبناء الثقة والتماسك هي العمل الحقيقي المشترك. لذلك خذ النموذج عدسة تساعدك على تسمية ما تراه، لا حكماً علمياً، ولا تفتتح عملك بجلسة بوح جماعي؛ ابدأ بمهمة صغيرة مشتركة ينجح فيها الفريق.
الصراع الصحي: لماذا يحتاج فريقك أن يختلف
الفريق الذي لا يختلف أبداً ليس بالضرورة متفقاً؛ ربما هو خائف. والصراع الصحي، بحسب مواد لينسيوني، صراع حول المفاهيم والأفكار لا حول الشخصيات: «هذه الخطة فيها ثغرة في الميزانية» لا «أنت لا تفهم الميزانية».
ولا يعني هذا أن تنتظر موافقة الجميع. من اللافت أن «اتخاذ القرارات بالإجماع» كان بين العوامل التي لم ترتبط ارتباطاً ذا دلالة بفعالية الفرق في جوجل. وتقول مواد لينسيوني إن الالتزام لا يتطلب إجماعاً، بل أن يشعر كل عضو أنه سُمع فعلاً قبل القرار، ثم يمضي الجميع في التنفيذ رغم الخلاف الأولي. في قراءتي إذن: الشرط أن يُسمَع الجميع، لا أن يوافق الجميع.
هذه ثلاث عادات أقترحها من عندي، لا من دراسة بعينها، لإشعال الصراع الصحي:
- قبل أي قرار مهم، اطلب من كل عضو أن يكتب أقوى اعتراض عنده قبل أن يتكلم أحد. هكذا لا يسارع الجميع إلى تبنّي رأيك قبل أن تظهر آراؤهم.
- اسأل: «ما أضعف نقطة في هذه الخطة؟» واستقبل الجواب بترحيب لا بدفاع. ردّ فعلك الأول هو الرسالة الحقيقية عن مدى الأمان.
- عيّن في كل اجتماع «معارضاً مكلَّفاً» بالتناوب، مهمته أن يعارض الفكرة السائدة، وبعد النقاش يلتزم الجميع بالقرار.
المساءلة بين الزملاء لا من المدير وحده
حين تكون أنت الوحيد الذي يلاحظ التقصير وينبّه عليه، تتحول إلى شرطي، ويتحول فريقك إلى جمهور. تقول شركة لينسيوني إن على الزملاء أن يكونوا مستعدين لمصارحة بعضهم بعضاً بالسلوك الذي يضر المجموعة، وإن تجنب ذلك يرخي المعايير ويجعل القائد المصدر الوحيد للانضباط. وخلاصتها أن الفرق التي يحاسب أعضاؤها بعضهم بعضاً تحتاج قواعد أقل ورقابة أقل، لا أكثر.
كيف تبني هذه العادة؟ هذه اقتراحات مني لا نتائج دراسة:
- اكتب الاتفاقات بأبسط صيغة: من يسلّم ماذا ومتى. تصعب المساءلة حين يكون الاتفاق شفهياً وغامضاً.
- خصص عشر دقائق في الاجتماع الأسبوعي يذكر فيها كل عضو ما التزم به الأسبوع الماضي وما أنجزه. هكذا تصير المراجعة روتيناً لا اتهاماً.
- علّم الفريق جملة التنبيه المهذبة: «اتفقنا على التسليم يوم الخميس، ولم يصلني بعد. ما الذي تحتاجه لننجزه؟» تبدأ بالاتفاق لا بالشخص، وتنتهي بسؤال عن الدعم.
- حين يشكو أحدهم زميله إليك، اسأل: «هل قلت له ذلك مباشرة؟» ثم ساعده على الحوار، ولا تتحول إلى قناة للشكاوى.
وتذكّر أن المساءلة تُبنى فوق الأمان: من يخاف الاعتراف بخطئه لن ينبّه زميله خشية ردّ فعله.
اختبار تشخيص من 10 أسئلة لفريقك
من أين تبدأ هذا الأسبوع؟
لا تحاول إصلاح الأمراض الخمسة معاً. في بداية الأسبوع وزّع الاختبار على فريقك. في منتصفه ناقشوا النتائج عشرين دقيقة، وأنت تتحدث أقل ما يمكن. وفي آخره اتفقوا على عادة واحدة تبدأ الأسبوع القادم، واكتبوا من يتابعها.
وتذكّر أن الفرق تتغير؛ فعضو جديد أو تبدّل في الأولويات قد يغيّر الصورة كلها. أعد الاختبار كل ربع سنة، ولا تعدّه شهادة نهائية.
وإن أردت التعمق، فكتاب «المدير الأعمى» يتناول فهم سلوك الناس وبناء الثقة والقيادة بتواضع؛ ففي جزئه الثالث فصل بعنوان «دائرة الأمان والسياسة — الكيمياء الحيوية للثقة»، وفي نسخته الكاملة محور خاص ببناء الفرق المتماسكة، إلى جانب نظام الأهداف والنتائج الرئيسية والتوظيف الذكي. وتستطيع أن تستمع من صفحة الكتاب إلى نسخة مختصرة مجانية بالعامية المصرية تغطي أجزاءه الثلاثة الأولى.
أسئلة شائعة
ما أهم عامل في نجاح فريق العمل؟
في دراسة جوجل لـ180 فريقاً جاء الأمان النفسي أولاً بحسب ترتيب الأهمية، ثم الاعتمادية، ثم البنية والوضوح، ثم المعنى، ثم الأثر. وهذا استنتاج شركة واحدة، لذا اختبره في فريقك قبل أن تعمّمه.
ما الأمراض الخمسة لفريق العمل عند لينسيوني؟
غياب الثقة، والخوف من الصراع، وضعف الالتزام، وتجنب المساءلة، وإهمال النتائج. ويصوّرها لينسيوني هرماً يقوم كل مستوى فيه على الذي تحته، فيبدأ العلاج من الثقة.
هل الأمان النفسي يعني المجاملة وتجنب الخلاف؟
لا. عرّفته إدموندسون بأنه اعتقاد مشترك بأن الفريق آمن للمخاطرة بين الأشخاص، كالسؤال والاعتراض والاعتراف بالخطأ. أما الرغبة في الحفاظ على انسجام مصطنع فهي بحسب لينسيوني ما يخنق الصراع المنتج.
من أين أبدأ إذا ورثت فريقاً متفككاً؟
ابدأ بتشخيص بسيط مثل اختبار الأسئلة العشرة، ثم عالج أول طبقة ضعيفة من الأسفل: الثقة أولاً. اعترف بخطئك أمامهم، وأعطِ الفريق مهمة صغيرة مشتركة ينجح فيها.
هل نموذج لينسيوني مثبت علمياً؟
ليس بالمعنى الصارم. قدّمه في كتاب حكائي، وينتقده عالما النفس التنظيمي كيرفي وهوغان لأنه لا يقوم على بحث. فاستعمله عدسة تساعدك على تسمية المشكلة، لا حكماً نهائياً.
المصادر
- Understand team effectiveness
- Psychological Safety and Learning Behavior in Work Teams
- Psychological Safety: A Meta-Analytic Review and Extension
- Five questions about psychological safety, answered
- The Five Dysfunctions of a Team: The Story
- The Five Dysfunctions of a Team: Overview (Conquer Team Dysfunction)
- The Five Dysfunctions of a Team: A Practical Guide for Leaders
- Leading Teams: Setting the Stage for Great Performances (book review)
- Leading Teams by J. Richard Hackman (book listing)
- The Five Dysfunctions of a Team (criticism section citing Curphy and Hogan, The Rocket Model, 2012)
