محمود شعبان فسفوس
English

علم النفس8 دقائق قراءة

كيف أتخلص من التسويف؟ أنت لا تهرب من المهمة بل من شعور

التسويف ليس كسلًا بل هروب من شعور مزعج. تعرّف على ما تقوله الأبحاث، ثم جرّب أداة من ثلاث خطوات تبدأ بها اليوم في دقيقتين فقط.

الخلاصة

  • التسويف في الأبحاث مرتبط بتنظيم المزاج السريع، لا بسوء إدارة الوقت وحده.
  • الهروب من المهمة يكافئك براحة فورية، فيتعلم عقلك أن يكرره.
  • المهام المملة والبعيدة والمنفّرة هي أكثر ما يُؤجَّل، فصغّرها وقرّب موعد أول خطوة.
  • سمِّ الشعور الذي تهرب منه، ثم صغّر أول فعل إلى دقيقتين واربطه بلحظة قريبة.
  • إن سقطت فلا تجلد نفسك؛ سمِّ الشعور وابدأ بخطوة أصغر. وإن استمر الأمر مع مزاج منخفض فاستشر مختصًا.

في تطبيق الملاحظات على هاتفك جملة تسكن هناك منذ سنوات: «غدًا أبدأ». نقلتها من هاتف قديم إلى هاتف جديد، ولم يتغيّر فيها حرف واحد. لو سألك أحد لقلت إنك تعرف تمامًا ما عليك فعله، وإنك فقط «لم تجد الوقت».

لكن الوقت ليس المشكلة في الغالب. لو كان كذلك، لأنجزتها في أول يوم فراغ حقيقي. فما الذي يحدث إذن؟

تقول الأبحاث شيئًا مختلفًا عن «رتّب أولوياتك»: أنت لا تهرب من المهمة نفسها، بل من شعور تثيره فيك. وحين تفهم هذا، يتغيّر السؤال من «كيف أجبر نفسي؟» إلى «كيف أخفف هذا الشعور حتى أبدأ؟».

التسويف ليس كسلًا: أنت تهرب من شعور لا من مهمة

اقترح باحثان هما فوشيا سيروا وتيم بايكل أن التسويف يرتبط بتنظيم المزاج على المدى القصير أكثر من ارتباطه بإدارة الوقت. وجاء ذلك في ورقة منشورة عام 2013 في مجلة «Social and Personality Psychology Compass». وتلخّصها الورقة هكذا: حين تواجه مهمة تثير الملل أو القلق أو الشك في نفسك، تعطي الأولوية لراحتك الفورية على حساب ما ستدفعه لاحقًا.

فكّر في آخر مهمة أجّلتها. ما الشعور الذي ظهر حين فتحتها؟ ملل؟ خوف من أن يكون الناتج سيئًا؟ إحساس بأنها أكبر من طاقتك؟

هذا الشعور هو الخصم الحقيقي. والمهمة مجرد المكان الذي يظهر فيه.

المسكّن الذي يهدأ بعد خمس دقائق: ماذا يحدث لحظة التأجيل

راقب ما يحدث بالتفصيل. تفتح المستند، فيرتفع الانزعاج. تغلقه وتفتح شيئًا آخر، فيهدأ الانزعاج فورًا. وهنا المشكلة: أنت كوفئت للتو على الهروب.

العقل يتعلم من هذه المكافأة. في المرة القادمة سيكون الدافع إلى الهروب أسرع وأقوى، لأن التجربة السابقة علّمته أن الهروب يعمل. لكنه مسكّن يزول مفعوله بعد دقائق، والمهمة ما زالت في مكانها، وقد صارت أثقل بشعور الذنب.

وهذا المسكّن له ثمن موثّق. في دراسة نُشرت عام 1997 في مجلة «Psychological Science» تابعت ديان تايس وروي باوماستر طلابًا خلال فصل دراسي. وجدتا أن المؤجّلين كانوا أقل توترًا وأقل مرضًا في أول الفصل، لكنهم أبلغوا عن توتر أعلى ومرض أكثر في آخره، وحصلوا على درجات أقل في جميع الواجبات.

راحة في أول الطريق، وفاتورة في آخره. وهذا بالضبط ما يفعله المسكّن.

تنبيه مهم: إن كان تأجيلك مزمنًا ويرافقه مزاج منخفض دائم أو فقدان اهتمام أو صعوبة شديدة في التركيز، فقد يكون وراءه ما هو أعمق من العادة. في هذه الحالة يساعدك مختص نفسي أكثر مما تساعدك أي مقالة، ومنها هذه.

معادلة التسويف: لماذا نؤجل المهام البعيدة المملة أكثر

لماذا تؤجل تقريرًا مملًا موعده بعد ثلاثة أسابيع، وتنجز بسرعة ردًّا على رسالة تافهة؟ قدّم بيرس ستيل في ورقته المنشورة عام 2007 في «Psychological Bulletin» مراجعة تحليلية لمئات الدراسات، وصاغ منها «نظرية الدافعية الزمنية». الفكرة بصيغة مبسطة: دافعك لبدء مهمة يزيد كلما زادت ثقتك بقدرتك على إنجازها وكلما زادت قيمتها عندك. ويقل كلما كانت أبعد زمنًا وكلما كنت أكثر اندفاعًا.

وقد وجدت المراجعة أن أقوى المؤشرات على التسويف كانت: كون المهمة منفّرة، وبُعد موعدها، وضعف الثقة بالنفس، والاندفاعية. أما ما يخطر على البال أولًا، كالكمالية، فلم يكن مؤشرًا قويًّا كما يُظن.

ماذا يعني هذا عمليًا؟ إن أردت أن تبدأ، فعندك أربع رافعات:

  • قلّل نفور المهمة بتقسيمها إلى قطعة لا تخيفك.
  • قرّب موعدها بتحديد وقت قريب لأول خطوة.
  • ارفع ثقتك بأن تبدأ بفعل صغير يضمن لك نجاحًا.
  • قلّل المشتتات حول أول خطوة.

مثال شائع في فرق التقنية: كتابة التوثيق، أو إصلاح جزء قديم من الكود، أو مراجعة أداء أحد أفراد الفريق. كلها مهام مفيدة لكن نتيجتها بعيدة وطعمها ممل، وهذا يجعلها أول ما يُؤجَّل مهما كانت أهميتها. هذه ملاحظة عامة، لا قصة شخص بعينه.

الغريب الذي في الغد: كيف ترى نفسك المستقبلية

هناك سبب آخر يجعل التأجيل سهلًا، وهو أنك ترمي المهمة على شخص تسميه «أنا غدًا». وتعامله كأنه أقوى منك وأقل انشغالًا. لكنه حين يصل سيكون أنت، بالتعب نفسه تقريبًا، وبقائمة أطول بمهمة واحدة.

وللأمر أثر يمكن قياسه. في دراسة بالرنين المغناطيسي الوظيفي نشرها هال إرزنر-هيرشفيلد وزملاؤه، لوحظ أن منطقة دماغية مرتبطة بالتفكير في الذات (جزء من القشرة الحزامية الأمامية) كانت أكثر نشاطًا عند التفكير في الذات الحالية منها عند التفكير في الذات المستقبلية. وكلما كان الفرق أكبر، زاد ميل المشارك إلى تفضيل المكافآت القريبة على البعيدة. أما عند التفكير في شخص آخر، فلم يظهر هذا الفرق بين «الآن» و«لاحقًا».

بعبارة بسيطة: قد يشعر عقلك أن نفسك المستقبلية أقرب إلى شخص غريب. وسيروا وبايكل يربطان الأمرين بالفعل: عواقب التسويف يتحمّلها دائمًا شخص آخر هو «أنت لاحقًا».

هل كل تأجيل هروب؟ لا. أحيانًا يكون قرارًا حكيمًا: تنتظر وصول راتبك قبل شراء ما تحتاجه. الفرق أن التأجيل الحكيم له شرط واضح تستطيع تسميته. أما الهروب فشرطه غامض: «حين تهدأ الأمور»، أو «حين أرتّب حياتي».

جرّب أن تجيب بصدق عن هذه الأسئلة الثلاثة قبل أن تنتقل إلى القسم التالي: ما أقدم مهمة تؤجلها؟ ماذا تخسر فعليًا كل أسبوع تبقى فيه بلا بداية؟ وما أول شيء ستندم على أنك لم تفعله حين يأتي موعدها؟ الإجابة المكتوبة تختلف كثيرًا عن الإجابة التي تدور في رأسك، لأن الورقة لا تسمح للشعور الغامض بأن يبقى غامضًا.

صغّر المهمة حتى تُنجز في دقيقتين

الخطوة الثانية هي التي ينساها معظم الناس، ولعلها الأهم. حين تقول «سأنجز المشروع»، فأنت تعطي عقلك مهمة كبيرة غامضة، وهذا يرفع النفور ويضعف الثقة. أما «سأفتح الملف وأكتب العنوان» فمهمة لا تثير خوفًا يستحق الهروب.

جرّب هذا الاختبار على أي مهمة تؤجلها: هل أستطيع أن أبدأها وأنا في أسوأ حالاتي المزاجية؟ إن كان الجواب لا، فهي ما زالت كبيرة، فصغّرها أكثر.

ثم اربطها بلحظة قريبة بدل «اليوم» العام. الجملة الأولى فكرة، والثانية خطة:

  • «سأبدأ اليوم» فكرة.
  • «سأفتح الملف حين أضع كوب الشاي على المكتب» خطة.

وليس المطلوب أن تنهي المهمة في دقيقتين. المطلوب أن تكسر الصلة بين المهمة والشعور المزعج. كثيرًا ما تجد بعد الدقيقتين أن الشعور خفّ، وأنك تكمل بلا جهد يُذكر.

إن سقطت: ماذا تفعل حين يعود التأجيل

ستسقط. هذا جزء من الطريق وليس نهايته. لكن طريقة تعاملك مع السقطة هي التي تحدد ما بعدها.

الغريزة أن تجلد نفسك: «أنا فاشل، لن أتغير». لكن جلد الذات شعور مزعج جديد، وعقلك يعرف ما يفعل بالمشاعر المزعجة: يهرب منها، أي يؤجل أكثر.

في دراسة نشرها مايكل وول وتيم بايكل وشانون بينيت عام 2010 في «Personality and Individual Differences»، تتبّع الباحثون طلابًا بين امتحانين. الطلاب الذين سامحوا أنفسهم على التأجيل قبل الامتحان الأول شعروا بمشاعر سلبية أقل بين الامتحانين، وأجّلوا أقل قبل الامتحان الثاني. لاحظ أن المسامحة هنا لا تعني التبرير، بل أن تتجاوز السقطة وتركّز على القادم.

فإن عاد التأجيل، افعل ثلاثة أشياء:

  1. سمِّ الشعور الذي عاد.
  2. صغّر أول فعل مرة أخرى.
  3. حدّد له موعدًا قريبًا، ثم قل لنفسك: «حصل، وسأبدأ بالخطوة التالية».

وإن كنت مسؤولًا عن فريق، فاحذر من قراءة التأجيل عند الآخرين كأنه قلة التزام. كثيرًا ما يكون خلف مهمة متأخرة غموضٌ في المطلوب أو خوف من أن يكون الناتج غير مرضٍ. بدل أن تسأل «لماذا لم تنجزها؟»، جرّب «ما أصغر جزء منها نستطيع إنجازه اليوم؟». هذا السؤال يخفف النفور ويقرّب الموعد، وهما رافعتان من الأربع التي ذكرناها.

ولا تنس أن التأجيل لا يختفي بقرار واحد. تعامل معه كعادة تُبنى بالتدريج: خطوة صغيرة، وموعد قريب، ثم مراجعة قصيرة بعد أسبوع تخبرك هل تحرّك الشعور أم لا. وما لم يتحرك، فاسأل نفسك بصدق إن كانت المهمة أصلًا مما يستحق أن تنجزه، أو إن كان الأجدر أن تحذفها من قائمتك وتتوقف عن حملها.

ما الذي تفعله الآن

لا تنتظر حتى تنتهي من هذه الصفحة وتنسى. افتح تطبيق الملاحظات الآن، وابحث عن أقدم جملة «غدًا» فيه. اسأل سؤالًا واحدًا: ما الشعور الذي أهرب منه؟ ثم اكتب تحتها أصغر خطوة ممكنة، وموعدها.

الفصل الخامس من كتاب «استقالة من نفسك» يتناول هذه الفكرة بتفصيل أوسع، مع مشاهد تجعل الأداة أقرب إلى حياتك اليومية. وإن كنت تقود فريقًا ترى فيه هذا النمط، فالكتاب الآخر «المدير الأعمى» يتناول لماذا لا تكفي الأرقام والخطط لتحريك الناس.

«غدًا» لن يكون أقوى منك. سيكون أنت. فاجعل صداقتك معه تبدأ من اليوم، بدقيقتين فقط.

أسئلة شائعة

هل التسويف كسل؟

ليس بالضرورة. تربطه الأبحاث بمحاولة تخفيف شعور مزعج فوري كالملل أو القلق أو الشك في النفس، أكثر من ارتباطه بالكسل.

لماذا أؤجل المهام الكبيرة أكثر من الصغيرة؟

لأن المهمة الكبيرة الغامضة ترفع النفور وتضعف الثقة بإنجازها. تقسيمها إلى خطوة قصيرة يخفف الشعور ويسهّل البداية.

ماذا أفعل حين أعود إلى التأجيل بعد أن بدأت؟

سمِّ الشعور الذي عاد، وصغّر أول فعل مرة أخرى، وحدّد له موعدًا قريبًا. وتشير دراسة منشورة عام 2010 إلى أن مسامحة النفس ارتبطت بتأجيل أقل لاحقًا.

متى أحتاج إلى مختص؟

إذا كان التأجيل مزمنًا ويرافقه مزاج منخفض مستمر أو فقدان اهتمام أو صعوبة شديدة في التركيز، فاستشر مختصًا نفسيًا.

المصادر

  1. Procrastination and the Priority of Short-Term Mood Regulation: Consequences for Future SelfSocial and Personality Psychology Compass (Sirois & Pychyl), 2013
  2. Longitudinal Study of Procrastination, Performance, Stress, and Health: The Costs and Benefits of DawdlingPsychological Science (Tice & Baumeister), 1997
  3. The Nature of Procrastination: A Meta-Analytic and Theoretical Review of Quintessential Self-Regulatory FailurePsychological Bulletin (Steel), 2007
  4. Saving for the Future Self: Neural Measures of Future Self-Continuity Predict Temporal DiscountingSocial Cognitive and Affective Neuroscience (Ersner-Hershfield, Wimmer & Knutson), 2009
  5. Cure procrastination: forgive yourselfBritish Psychological Society Research Digest (on Wohl, Pychyl & Bennett, 2010), 2010
محمود شعبان فسفوس

محمود شعبان فسفوس

رئيس تنفيذي للتقنية والعمليات · مؤلف

قائد تقني بخبرة تتجاوز 15 عامًا بين السعودية وكندا والأردن في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وإدارة المشاريع. مؤلف «المدير الأعمى» و«استقالة من نفسك».