محمود شعبان فسفوس
English

علم النفس9 دقائق قراءة

كيف أتوقف عن مقارنة نفسي بالآخرين؟ قاعدة الاتجاهين

يصعب إطفاء المقارنة بالإرادة وحدها، لكن يمكنك توجيهها. ما تقوله الدراسات عن الحسد الحميد وعن واجهة الناس، وقاعدة «الاتجاهين» في أداة من خمس دقائق.

الخلاصة

  • المقارنة دافع وصفه فستنجر عام 1954، لا عيب في شخصك؛ فالأجدى أن توجّهها لا أن تحاول إلغاءها بالإرادة.
  • في تجارب 2011 ارتبط الحسد الحميد وحده بدافع التحسّن، ولم تثمر المقارنة بمن هو أفضل إلا حين رأى المشاركون التحسّن في متناولهم.
  • ما تراه على الشاشة واجهة؛ ووجد جوردان وزملاؤه أن الناس يقلّلون من تقدير شيوع المشاعر السلبية عند غيرهم.
  • قبل أن تشتري ما رأيته، أكمل: «أريد هذا لأن…». فإن كان السبب راجعًا إلى الناس لا إلى الشيء، فالرغبة مستعارة غالبًا.
  • قاعدة الاتجاهين: في الدنيا انظر إلى من هو أسفل منك امتنانًا، وفي الخير والمهارة انظر إلى من سبقك لتلحق به.

تُنهي التمرير وأنت تعلم أن الصورة التي رأيتها لقطة من يوم طويل. تعلم أن صاحبها لم يستيقظ هكذا، وأن لقطات كثيرة حُذفت قبل أن تُنشر هذه. ومع ذلك يبقى السؤال معلّقًا في رأسك: لماذا ليست حياتي بهذا الهدوء؟ ولماذا يبدو غيري أسبق مني؟

ثم تأتي النصيحة الجاهزة: «توقف عن مقارنة نفسك بالآخرين». نيّتها طيبة، لكنها لا تنفع، لأنها تطلب منك أن توقف أمرًا يحدث قبل أن تقرر. فماذا لو لم تُلغِ المقارنة، بل غيّرت وظيفتها؟ تنتقل من سارق يأخذ هدوءك ولا يترك لك شيئًا، إلى معلّم يريك ما يمكن بلوغه ويترك لك قرار الخطوة التالية.

الشاشة نافذة على حياة الآخرين، وأنت لا تقف عند كل النوافذ بالقدر نفسه. في هذا المقال ستعرف لماذا تتوقف عند نوافذ بعينها، وما الذي يميّز مقارنة تثقل عليك عن مقارنة تحرّكك، ثم تجرّب أداة من خمس دقائق.

لماذا هذه النافذة بالذات؟ المقارنة لا تختار عشوائيًا

في عام 1954 نشر عالم النفس ليون فستنجر ورقته البحثية «نظرية في عمليات المقارنة الاجتماعية». فرضيته الأولى بسيطة: عند الإنسان دافع إلى تقييم آرائه وقدراته. والثانية: حين لا يجد معيارًا موضوعيًا خارج الناس، يقيس نفسه بغيره. وأنت تعرف هذا من تجربتك: هل أنا ناجح؟ هل حياتي جيدة؟ لا مسطرة لهذين السؤالين، فتنظر إلى من حولك.

أما فرضيته الثالثة فتفسّر لماذا تؤلمك وجوه بعينها. يقول فستنجر إن ميل الإنسان إلى مقارنة نفسه بشخص معيّن يضعف كلما اتسع الفرق بينهما. فمن بدأ يتعلم الشطرنج لا يقارن نفسه بأساتذة اللعبة المعروفين، ويميل إلى اختيار من هو قريب من مستواه. وهذا يفسّر، بمنطق النظرية لا بقياس مباشر، لماذا تلسعك صورة زميل دراسة قديم أكثر مما تلسعك صورة ثري مشهور لا تعرفه: الأول كان يومًا على خط البداية نفسه، فيصلح مقياسًا.

وفي باب القدرات يرى فستنجر دافعًا موجّهًا نحو الأعلى، ويذكر أن في الثقافة الغربية على الأقل قيمة تُعلي من شأن الأفضل فالأفضل. ولأن الجميع لا يمكن أن يكونوا أفضل قليلًا من الجميع، يخلص إلى أن المقارنة على القدرات لا تبلغ حالة سكون. وهو لا يقول إن الإرادة عاجزة، لكن هذا يرجّح أن إطفاء المقارنة بقرار وحده رجاء ضعيف. فالمقارنة ليست عيبًا فيك. هي دافع وصفه عالم نفس قبل أكثر من سبعين عامًا، والمشكلة في وجهته.

وفي كتابه «Wanting» (2021) يبني الكاتب لوك برجس على نظرية المفكر رينيه جيرار عن «الرغبة المحاكية»: نتعلّم ما نريده من مشاهدة غيرنا يريده. ويفرّق بين «رغبات سطحية» (thin desires) سريعة العدوى تنتقل من شخص إلى آخر، و«رغبات عميقة» (thick desires) تتكوّن بمرور الزمن وتسهم في حياة جيدة. ويطبّق الفكرة على وسائل التواصل، فيرى أن الناس فيها نماذج يقتبس بعضهم رغبات بعض.

من السارق إلى المعلّم: ما الذي يفرّق بين المقارنتين؟

تضم كلمة «envy» الإنجليزية شعورين مختلفين. هذا ما بيّنه نيلز فان دي فِن ومارسيل زيلنبرغ وريك بيترز عام 2009: الحسد الخبيث يدفع إلى «إنزال» الآخر والإضرار بموقعه، أما الحسد الحميد فيدفع إلى «الصعود» وتحسين موقعك أنت. ومن الطريف أن في الهولندية كلمتين للنوعين، بينما تكتفي الإنجليزية والإسبانية بكلمة واحدة. وفي العربية كلمتان قريبتان من هذا التمييز: الغبطة والحسد. كلاهما يبدأ بلسعة. والفرق فيما بعدها.

ثم نشر الفريق نفسه عام 2011 أربع تجارب بعنوان «لماذا يتفوق الحسد على الإعجاب». في الأولى ارتبط الحسد الحميد وحده، دون الإعجاب ودون الحسد الخبيث، برغبة أقوى في المذاكرة. وفي الثانية والثالثة ارتبط بأداء أفضل في مهمة الترابطات البعيدة، وهي اختبار يقيس الذكاء والإبداع.

والتفصيل الأهم جاء في التجربة الرابعة. المقارنة بمن هو أفضل منك أثارت حسدًا حميدًا وأداءً أفضل لاحقًا، لكن فقط حين ظنّ المشاركون أن التحسّن في متناولهم. أما حين ظنّوه صعبًا، فأثارت إعجابًا بلا دافع إلى التحسّن. أي إن المعلّم يعلّمك حين تراه قريبًا، ويصير لوحة في متحف حين تراه بعيدًا.

ويظهر الأمر نفسه على المنصات ذاتها: في استبيان شمل 385 مستخدمًا لإنستغرام، ارتبطت كثافة المقارنة بالإلهام، ومرّت هذه العلاقة بالكامل عبر الحسد الحميد، وارتبط الإلهام بمشاعر إيجابية أكثر. وهو استبيان يرصد علاقة ولا يثبت سببًا، لكنه يذكّرك بأن الشاشة قد تعلّم أحيانًا، إذا عرفت ماذا تطلب منها.

فاللسعة الأولى لا تختارها، لكنك تختار ما بعدها. حين يُرقّى زميلك، قد تدفعك اللسعة إلى تمنّي تعثّره، وقد تدفعك إلى أن تسأله كيف استعدّ. وبدل «لماذا ليست حياتي هكذا؟» اسأل: هل هذه الخطوة في متناولي؟ فإن كانت، فاسأل صاحبها كيف فعلها، أو ابدأ بأصغر ما فعل. وإن كانت بعيدة جدًا، فلا تجعلها مقياسك، واختر من يسبقك بخطوة واحدة فقط.

الرغبة قبل الصورة: هل تريده فعلًا؟

قبل أن تقرر ماذا تفعل بالمقارنة، اسأل عن الرغبة نفسها. قد تجد نفسك تبحث عن سعر ساعة رأيتها في صورة، أو عن مطعم، أو عن رحلة. والسؤال ليس: هل الشيء جميل؟ بل: لماذا أريده الآن؟

جرّب اختبارًا قصيرًا، هو اختبار تأمّل لا مقياس علمي: اكتب «أريد هذا لأن…» وأكمل الجملة بأمانة. إن جاء السبب راجعًا إلى الشيء نفسه، كحاجة تعرفها أو متعة جرّبت مثلها، فالرغبة غالبًا ملكك. وإن جاء راجعًا إلى الناس، كأن يلاحظوا أو يعلّقوا أو يظنوا بك شيئًا، فهي في الأغلب مستعارة. ويختصر الاختبارَ سؤال واحد: هل ينفعني هذا الشيء فعلًا، أم يهمّني ألّا أبدو متأخرًا عن صاحبه؟

ليس كل ما تشتهيه مزيّفًا. لكن الجواب الصادق يوفّر عليك مالًا، ويدلّك أحيانًا على الحاجة الحقيقية خلف الرغبة: ربما لا تريد الساعة الفاخرة، بل أن يؤخذ كلامك في الاجتماعات بجدية. وهذه حاجة يمكنك أن تعمل عليها.

ما خلف الصورة: المسرح الذي نراه

وصف عالم الاجتماع إرفنغ غوفمان الحياة اليومية بلغة المسرح في كتابه «تقديم الذات في الحياة اليومية» (1959). لكل منا واجهة يعرضها أمام الجمهور، وكواليس يخلع فيها دوره ويرتاح. وما يصل إلى الشاشة هو الواجهة، أما الكواليس فلا تُنشر.

وتدعم هذا الاتجاه ورقة نُشرت عام 2011 لجوردان وزملائه، من أربع دراسات. وجدوا أن الناس يقلّلون من تقدير شيوع المشاعر السلبية عند غيرهم، وأنهم يبالغون، في إحدى الدراسات، في تقدير شيوع المشاعر الإيجابية، حتى عند أقران يعرفونهم جيدًا. وفسّر ذلك جزئيًا أن أولئك الأقران يقولون إنهم يكتمون مشاعرهم السلبية أكثر من الإيجابية. وارتبط تقدير أقل لانتشار المشاعر السلبية عند الآخرين بوحدة واجترار أكبر ورضا أقل عن الحياة.

هذه الدراسات لم تقس تصفح الشاشات بعينه، لكنها تقترح آلية قريبة: تعرف كواليسك كلها، وترى واجهة غيرك فقط. وفي مسح شمل 425 طالبًا جامعيًا في جامعة حكومية بولاية يوتا، كان من استخدموا فيسبوك مدة أطول، ومن يقضون فيه وقتًا أطول كل أسبوع، أميل إلى الموافقة على أن غيرهم أسعد. وكان من يضمّون إلى قائمة أصدقائهم أشخاصًا لا يعرفونهم أميل إلى الموافقة على أن حياة غيرهم أفضل. وهذا المسح يرصد ارتباطًا، ولا يقول إن الشاشة هي السبب.

فحين تقارن يومك بمنشور، فأنت تقارن كواليس كاملة بلقطة اختارها غيرك. وتذكّر أنك نافذة لغيرك أيضًا. انظر إلى آخر ما نشرته: كم كان فيه من كواليسك؟

قاعدة الاتجاهين: في الدنيا انظر إلى الأسفل، وفي الخير إلى الأعلى

عرفنا أن المقارنة يصعب إلغاؤها، وأن أثرها يتوقف على ما تراه وعلى ما تسأله. فهل من قاعدة تعطي نظرك اتجاهًا؟ هنا تفيد «قاعدة الاتجاهين»، وهي التي يبني عليها كتاب «استقالة من نفسك» فصله «بين النافذة والمسرح».

نصفها الأول جاء في حديث رواه مسلم عن أبي هريرة: «انظروا إلى من أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر ألّا تزدروا نعمة الله» (صحيح مسلم، 2963). وفي رواية أخرى لمسلم في الباب نفسه تحديد للميدان: «إذا نظر أحدكم إلى من فُضِّل عليه في المال والخَلق، فلينظر إلى من هو أسفل منه…». فالميدان هنا أمور الدنيا: المال وهيئة الإنسان وبنيته. والغاية ألّا تحتقر ما أنعم الله به عليك.

وليس هذا دعوة إلى الشماتة ولا إلى التعالي على أحد. هو تمرين في الامتنان: حين تلسعك صورة بيت أوسع أو رحلة أفخم، تذكّر من لا يملك ما عندك من مأوى وصحة وأمان، فتعود إلى حياتك بعين أهدأ.

أما نصفها الثاني فميدانه مختلف: الخير والمهارة. هنا لا تنظر إلى الأسفل، بل إلى من سبقك: من يقرأ أكثر منك، أو من أتقن لغة تتعلّمها، أو من ثبت على عمل صالح لم تثبت عليه بعد. والنظر هنا ليس للحسد بل للّحاق. وهذا النصف ليس من نص الحديث، بل امتداد لدعوة القرآن إلى المسابقة في الخير: «فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ» (البقرة: 148). وهذا هو الموضع الذي تنفع فيه المقارنة الصاعدة، لأن الخطوة هنا غالبًا في متناولك.

خمس دقائق الآن: نافذة تتعلّم منها، وحياة تعيشها

هذه أداة قصيرة مستمدة من فصل الكتاب. تنفع حين تغادر الشاشة وفي نفسك نقص، أو حين تجد نفسك تنتظر رقمًا يحسم قيمتك.

ولا تنتظر أن تتوقف المقارنة تمامًا. في المرة القادمة التي تفتح فيها الشاشة، اسأل: في أي ميدان لسعتني هذه الصورة؟ وماذا أريد منها فعلًا؟ فإن أجبت بصدق، فقد خرجت من دور المتفرج إلى دور من يختار.

هذه الفكرة هي قلب الفصل الثالث عشر، «بين النافذة والمسرح»، من كتاب «استقالة من نفسك». اقرأ الفصل كاملًا بمشاهده اليومية، وفيه أداة ثانية لمن يقلّل من جهده أمام الناس ثم ينتظر منهم المديح. وإن كنت تفضّل أن تسمع، ففي الكتاب نسخة مسموعة.

أسئلة شائعة

هل مقارنة نفسي بالآخرين أمر طبيعي؟

نعم. وصف فستنجر عام 1954 دافعًا إلى تقييم آرائنا وقدراتنا، وقال إننا نقيس أنفسنا بغيرنا حين لا نجد مقياسًا موضوعيًا. ولذلك فالأقرب إلى الواقع أن توجّه المقارنة لا أن تحاول إلغاءها بالإرادة.

هل المقارنة بمن هو أفضل مني تضرني دائمًا؟

لا. في تجارب فان دي فِن وزملائه (2011) ارتبط الحسد الحميد وحده بدافع التحسّن، لكن المقارنة بمن هو أفضل لم تثمر إلا حين رأى المشاركون التحسّن في متناولهم. وحين رأوه صعبًا ظهر إعجاب بلا دافع. فاختر من يسبقك بخطوة واحدة.

ما قاعدة الاتجاهين؟

في أمور الدنيا (المال والمظهر والمقتنيات) انظر إلى من هو أسفل منك امتنانًا لا شماتة، كما في حديث مسلم 2963. وفي الخير والمهارة انظر إلى من سبقك لتلحق به لا لتحسده. والنصف الثاني امتداد لدعوة المسابقة في الخير، وليس نص الحديث.

هل ما أراه على وسائل التواصل يعكس حياة الناس فعلًا؟

هو في الغالب واجهتهم. وجد جوردان وزملاؤه (2011) أن الناس يقلّلون من تقدير شيوع المشاعر السلبية عند غيرهم، حتى عند أقران يعرفونهم جيدًا، دون أن يدرسوا الشاشات بعينها. وفي مسح شمل 425 طالبًا ارتبط الاستخدام الأطول لفيسبوك بالموافقة على أن الآخرين أسعد. والمسح ارتباطي لا يثبت سببًا.

متى أستشير مختصًا؟

إن رافق المقارنةَ حزن أو قلق مستمر، أو إحساس دائم بأنك أقل من الجميع، أو تأثر نومك وعملك وعلاقاتك، فتحدّث إلى مختص نفسي. فالمقال لا يشخّص ولا يعالج.

المصادر

  1. A Theory of Social Comparison ProcessesHuman Relations (Festinger), 1954
  2. Leveling up and down: The experiences of benign and malicious envyEmotion (van de Ven, Zeelenberg & Pieters), 2009
  3. Why envy outperforms admirationPersonality and Social Psychology Bulletin (van de Ven, Zeelenberg & Pieters), 2011
  4. The Positive Side of Social Comparison on Social Network Sites: How Envy Can Drive Inspiration on InstagramCyberpsychology, Behavior, and Social Networking (Meier & Schäfer), 2018
  5. Misery has more company than people think: Underestimating the prevalence of others' negative emotionsPersonality and Social Psychology Bulletin (Jordan et al.), 2011
  6. "They are happier and having better lives than I am": The impact of using Facebook on perceptions of others' livesCyberpsychology, Behavior, and Social Networking (Chou & Edge), 2012
  7. Wanting: The Power of Mimetic Desire in Everyday Life (review)Publishers Weekly, 2021
  8. Why you want what you want (on Burgis, Wanting)strategy+business (PwC), 2021
  9. Dramaturgical Analysis (on Goffman, The Presentation of Self in Everyday Life, 1959)EBSCO Research Starters, 2019
  10. Sahih Muslim 2963 (Book of Asceticism and Softening of Hearts), narration cHadith Unlocked, 2026
  11. Sahih Muslim 2963 (Book of Asceticism and Softening of Hearts), narration aHadith Unlocked, 2026
  12. Quran 2:148 (Al-Baqarah)Quran.com, 2026
محمود شعبان فسفوس

محمود شعبان فسفوس

رئيس تنفيذي للتقنية والعمليات · مؤلف

قائد تقني بخبرة تتجاوز 15 عامًا بين السعودية وكندا والأردن في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وإدارة المشاريع. مؤلف «المدير الأعمى» و«استقالة من نفسك».